الغـزو العثماني الجديد

د. صياح عزام:

الغزو التركي للشمال والشمال الشرقي السوري والذي يحمل زوراً وبهتاناً اسم (نبع السلام)، هو الثالث بعد عمليتي ما يسمى (درع الفرات)، عام ،2016 و(غصن الزيتون) عام ،2018 وهذه الغزوات الثلاث خُطط لها بشكل مسبق بهدف تقسيم سورية وإخضاع الشمال السوري لتركيا.

إن هذا الغزو الهمجي من قبل السلطان العثماني الجديد يذكر السوريين والعرب عامة بمآسي الاحتلال العثماني للبلاد العربية وسجله الأسود، إذ لم يورث للعرب إلا صور التنكيل والظلم والاستبداد والجهل والفقر والتخلف وسوق الوطنيين الأحرار إلى المشانق في دمشق وبيروت وغيرها من العواصم والمدن العربية.

أردوغان بغزوه الأخير، يعيد الحقيقة السوداء البائدة لأجداده، وهو يطمح إلى السيطرة على مساحة جغرافية تتعدى الألفين كم من الأراضي السورية، لإيجاد (جيب) خبيث تابع له يسكن فيه سوريون منحهم الجنسية التركية إلى جانب احتضان فصائل ومجموعات إرهابية مؤيدة له، بذريعة الحفاظ على الأمن التركي. وهنا نسأل: أي أمن هذا؟ عندما كانت العلاقات السورية التركية في أحسن الأحوال، لم تحصل أي عملية عسكرية كردية ضد تركيا وخاصة من عام 1998 وتوقيع (اتفاق أضنة). ويجمع العديد من المحللين السياسيين على أن ما دفع أردوغان إلى غزوه الأخير أمران اثنان:

الأول: أحلامه العثمانية التي لم تقف عند حدود (جرابلس والباب وعفرين) ولن تتوقف عند شرق الفرات إن أتيح لجيشه البقاء والتمدد، ليقوم في وقت لاحق بإلحاق مناطق شرق الفرات وما سبقها من احتلالات بتركيا كما جرى بالنسبة لمصير لواء اسكندرون.

الأمر الثاني أو الدافع الثاني هو دافع شخصي يتعلق بمستقبل السلطان وعائلته السياسي والشخصي، إذ إن شعبيته تراجعت، ورحلة سقوطه بدأت منذ عام ،2016 والغريب أنه يعمل الآن باتجاه تعديل الدستور على مقاسه من خلال عزمه على خفض نسبة أصوات الرئاسة من 50 إلى 40%، ولهذا فإن رصيد الخطاب المذهبي لم يعد كافياً لتجديد البيعة له، وبالتالي لجأ إلى العزف على وتر العصب القومي للأتراك، وإعادة إنتاج خطاب الجمعيات الطورانية قبل أكثر من مئة عام، أملاً منه في كسب أصوات هذه الشرائح التركية، وهو مستعد لأن يفعل أي شيء للوصول إلى سدة الرئاسة والبقاء فيها، وبالتالي جاءت حربه على الأكراد في بلاده وفي سورية في هذا السياق.

نعود للقول إن ما أسماها عملية (نبع السلام) وهي في الحقيقة (نبع الشر والعدوان) قد تمت تحت غطاء سياسي أمريكي، فالمنطقة الآمنة التي ينوي إقامتها تغطي 90% من إقليم غرب كردستان الذي يحلم الأكراد ذوو النزعة الانفصالية بإقامته، ويعتزم أردوغان استقطاب الإرهابيين المؤيدين له وعائلاتهم لإسكانهم في هذه المنطقة كما أشرنا قبل قليل، إلى جانب أن خطوات التتريك في عفرين واعزاز والباب أصبحت واضحة للعيان، من خلال فرض تدريس اللغة التركية كلغة أساسية وافتتاح فروع للجامعات التركية وإقامة مدرسة مهنية في جرابلس.. إلخ.

ويمكن القول من دون مبالغة إن ما يقوم به أردوغان في الشمال السوري هو جزء من المخطط الصهيوني في جزئه التركي. بقي أن نقول إن الأكراد المنادين بالانفصال عن سورية وطنهم الأم، لم يتعظوا على ما يبدو من تجاربهم السباقة، فالتخلي الأمريكي عن الأكراد هو بمثابة تقليد أو بالأحرى لم يحدث لمرة واحدة، بل لعدة مرات، مرة لصالح شاه إيران في عهد الرئيس نيكسون، ومرة في عهد الرئيس بوش الأب عندما تمردوا في العراق عام ،1991 إذاً باعت أمريكا الأكراد أكثر من مرة. ورغم كل ذلك فإن سورية أكدت أكثر من مرة أنها جاهزة للحوار مع الأكراد وتلبية مطالبهم في إطار الدستور ووحدة الأراضي السورية، ولكنها غير مستعدة للحوار مع من باعوا أنفسهم لأمريكا وراهنوا عليها.

على أي حال، إن سورية شعباً وقيادة وجيشاً تعتبر الغزو الأمريكي خرقاً فاضحاً لحرمة أراضيها ولسيادتها، وعدواناً سافراً عليها، وهي قادرة على مجابهة وإحباط الأطماع التركية.

 

تركيا .. تاريخ من العدوان

 

سعت تركيا في ظل حكم أردوغان سعت لتدمير سورية من خلال عدة خطوات عدوانية منها:

* احتضان ما تسمى بالمعارضة السورية، ولاسيما منها جماعة الإخوان المسلمين والفصائل الإرهابية السلفية ومدها بكل ما تحتاج إليه من مال وسلاح.

* فتح حدودها البرية وموانئها ومطاراتها لعشرات ألوف الإرهابيين المجرمين وتأمين دخولهم إلى الأراضي السورية بعد تدريبهم وتسليحهم.

* القيام باحتلال عسكري مباشر لمناطق في الشمال السوري والعمل على تتريكها كما أشرنا قبل قليل.

* في عام 2012 طلبت تركيا من الأمم المتحدة وحلف الأطلسي تدويل الأزمة السورية.

* طلبت تركيا من سورية في 9 آب عام 2011 وعبر وزير خارجيتها آنذاك أحمد داود أوغلو تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال ثلاثة أشهر، وهذا تدخل سافر ومفضوح.

العدد 886 - 13/11/2019