ينبغي إيجاد حلول معقولة للمشاكل المعقدة التي يواجهها العالم

يونس صالح:

لا شك في أن الثورة المعلوماتية التي يشهدها العالم الآن سوف تكون لها آثار بعيدة المدى في مختلف المجتمعات الإنسانية المعاصرة، وإذا كان يجوز لنا أن نستعير من كارل ماركس وماديته التاريخية التشبيه الذي عقده بين أدوات الإنتاج وأسلحة الجيوش، وأن المجتمع يعاد تنظيمه طبقاً لتطور أدوات الإنتاج فيه، كما يعاد تنظيم الجيش كلما اكتشف سلاح جديد يدخل ضمن عدته العسكرية، فعلينا أن نحاذر في الوقت ذاته من الوقوع في الإشكالية التي وقع فيها ماركس، حين تصور أن في مقدوره بتحليل النتائج الاجتماعية للانقلاب الصناعي وفي مقدمتها قيام النظام الرأسمالي، ومن خلال دراسته الوثيقة لرأس المال، أن يصل إلى تصور شامل لما سوف ينتهي إليه هذا النظام، وهو سقوطه بفعل التناقضات الداخلية فيه، وقيام النظام الاشتراكي بدلاً منه، وانتهى الأمر، كما هو معلوم، إلى توطد أركان الرأسمالية من خلال استيعابها لتطور أدوات الإنتاج تحت أيديها، حتى إذا ما بدأت مرحلة الثورة التكنولوجية المعاصرة، كان السقوط من نصيب المجتمعات التي حاولت إعادة ترتيب اقتصادها تبعاً لما تنبأ به ماركس، كما حدث بالنسبة للاتحاد السوفييتي السابق، والبلدان التي أخذت بنظام شبيه به في شرق أوربا، وفي آسيا، وخاصة الصين، التي لايزال يحكمها حزب شيوعي، ومع ذلك فهي تعيد ترتيب اقتصادها طبقاً لقوانين السوق حتى تستفيد من إنجازات الثورة التكنولوجية التي تحققت في الغرب الرأسمالي، وقطعت في هذا الصدد شوطاً طويلاً وأمكنها تحقيق تقدم اقتصادي ملحوظ.

إن كل ما في مقدورنا إذاً هو أن نحاول رصد بعض الظواهر الاجتماعية التي صاحبت هذه الثورة العلمية، أو يمكن أن تصاحبها في المستقبل القريب، دون محاولة للقفز فوق النتائج، وادعاء أن تاريخ المجتمع الإنساني قد أصبح كتاباً مفتوحاً، يمكن أن يقرأ المستقبل فيه كما يقرأ ماضيه!

لا شك في أن الترابط العالمي هو أوضح ظواهر الثورة التكنولوجية، وذلك بسبب الجانب الإعلامي من تلك الثورة، وهو ما يطلق عليه ثورة الاتصالات والمعلومات، في عصر التوسع في استخدام أجهزة الكمبيوتر والأقمار الصناعية والبث التلفزيوني المتطور وأجهزة الاستقبال، وخاصة بعد انتهاء المعسكر الاشتراكي، وتضاؤل إمكانية نشوء حرب باردة، وتزايد الاحتمال والأمل في ألا يشهد العالم مرة أخرى حرباً عالمياً مدمرة من نوع الحربين اللتين شهدهما القرن العشرون، خاصة أن أي حرب عالمية أخرى من الممكن أن تكون حرباً نووية قد تهلك فيها البشرية بأسرها.

يتمثل خطر السلام الدائم على مصالح القوى الكبرى المنتجة للسلاح في احتمال تزايد البطالة بين صفوف عمالها الذين يعملون في تلك الصناعة والصناعات المغذية لها، في الوقت الذي تعتبر فيه البطالة هي أخطر المشاكل المترتبة على الثورة التكنولوجية.

لقد كانت البطالة هي أسوأ الآثار الاجتماعية التي ترتبت على الانقلاب الصناعي وظهور النظام الرأسمالي المعاصر، فقد شرعت الآلات الحديثة تحل محل العمل اليدوي في جميع الميادين، فقضت على كثير من أرباب الحرف وحولتهم إلى بروليتاريا في جيش الصناعة الاحتياطي، كما أسماه كارل ماركس، واعتبرت آفة الرأسمالية الكبرى التي سوف تقضي عليها في المستقبل، إذ يتزايد الاستقطاب داخل المجتمع الصناعي، بين قلة تملك أدوات الإنتاج، وكثرة لا تملك إلا قوة عملها تبيعها للرأسمالي، الذي لا يتردد في الاستغناء عن بعض عماله، إذا ما ظهرت آلة جديدة تحل محلهم، ولا يتردد أيضاً في طرد بعضهم، إذا وجد من بين المتعطلين من هو على استعداد لقبول أجر أقل مما كان يحصل عليه زميله، وأن النتيجة النهائية لهذا الوضع هي أن تثور البروليتاريا وتستولي على المصانع وتدير عملية الإنتاج لصالحها محققة بذلك أحلام الاشتراكية! لولا أن الرأسمالية قد أتيح لها في الفترة ما بين الحربين العالميتين استيعاب هذا الدرس، وتلافي هذا الخطر عن طريق الإصلاحات الاقتصادية التي دعا إليها مفكرون اقتصاديون أمثال كينز، الذي دعا إلى زيادة الطلب الفعال على المنتجات عن طريق رفع أجور العمال، بحيث تستمر عملية الإنتاج في الدوران بفضل زيادة ما يستهلكه هؤلاء العمال مما ينتجون، فلا تحدث الأزمات الدورية التي كان يتم فيها التوقف عن الإنتاج وإفلاس المصانع من جانب، وتتزايد فيها أعداد المتعطلين وتتناقص قدرتهم على استهلاك المنتجات المكدسة في مخازنها من جانب آخر!

وبالفعل نجح كينز في إنقاذ الرأسمالية على حد قوله بتلك السياسة الرشيدة، وشهد غرب أوربا والولايات المتحدة في الحقبة التي تلت أزمة الثلاثينيات الخانقة ولادة ما يعرف باسم دولة الرفاهية التي يرتفع في ظلها مستوى معيشة العمال مع ازدهار نشاطها الصناعي والتجاري، بما في ذلك حصولهم على تأمينات مجزية ضد البطالة والمرض والشيخوخة.

والآن، مع التقدم الهائل في نوعية أدوات الإنتاج وصناعتها، في عصر الثورة التكنولوجية، فإن الآلة الإلكترونية لم تعد تحل محل العمل اليدوي فحسب، سواء كان بسيطاً أو مركباً، بل تحل محل العمل الذهني أيضاً في كثير من مجالاته، وأصبحت ظاهرة البطالة تشمل المتعلمين من مختلف درجاتهم أو تخصصاتهم، ومع انهيار المعسكر الاشتراكي وذهاب الخوف من منافسته، سقط شعار دولة الرفاهية، واتجهت كثير من دول الغرب الرأسمالية إلى محاولة نبذه وإلغاء كثير من الامتيازات التي حصل عليها عمالها في ظله، كما حدث أخيراً في فرنسا، في محاولة لتقليص حجم الإنفاق العام على التأمينات الاجتماعية.

ومما يزيد مشكلة البطالة تعقيداً في الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة، أن الشركات متعددة الجنسية عابرة القارات، التي تعتبر الآن بمنزلة شركات عالمية للرأسمالية الدولية، كثيراً ما تلجأ إلى نقل خطوط إنتاجها على نطاق واسع إلى البلدان النامية حيث يتاح لها تشغيل تلك الخطوط بكلف أقل، ما يزيد من تفاقم مشكلة البطالة في الدول المتطورة، ومنها تتولد الحركات العنصرية المعادية للأجانب، وخاصة الوافدين منهم من البلدان النامية التي شرع أبناؤها ينتزعون من أفواههم لقمة العيش، سواء وفدوا على بلادهم وقبلوا أجوراً أرخص، أو انتقلت بعض خطوط الإنتاج إلى بلدانهم الأصلية.

إن العملية المذكورة آنفاً، أي نقل خطوط الإنتاج الصناعي إلى البلدان النامية، هي جزء من ظاهرة الترابط العالمي الذي تزيده الثورة التكنولوجية وثوقاً. إن الرأسمالية العالمية لن تسعى إلى البلدان النامية بخطوط إنتاجها فحسب، بل تعمل على ذيوع ثقافتها وأساليب معيشتها بكل الصور في تلك البلدان، بحيث تصبح، إلى جانب كونها سوقاً للعمالة الرخيصة، سوقاً أخرى لاستهلاك مختلف منتجاتها، التي يتدفق الجديد منها كالسيل في كل يوم جديد من أيام الثورة التكنولوجية! ولكن السؤال يثور: هل ستفضي عملية الغزو الجديدة واسعة النطاق للبلدان النامية ثقافياً وصناعياً واقتصادياً إلى حدوث توازن عالمي جديد يتيح للعالم التخلص من كثير من أشباح الحروب والبطالة والمجاعات؟

قد يحدث هذا إذا ما أفضى هذا الترابط إلى إنعاش حقيقي لاقتصادات البلدان النامية، بحيث تصبح قادرة لا على استيعاب الواردات المتطورة القادمة من البلدان الصناعية فحسب، بحيث تستمر عجلة الإنتاج في الدوران في تلك البلدان، ويقل معدل البطالة بين صفوف عمالها، بل لا بد من حدوث تنمية حقيقية في موارد البلدان النامية، بحيث تكون لها مساهماتها الواضحة في الإنتاج العالمي، حتى تستطيع الاستمرار في عملية التبادل التجاري على نحو متكافئ، ويساعد على تقليص مديونياتها الخارجية بدلاً من زيادتها عن طريق الاستيراد فحسب، دون تصدير يذكر، ولكن الزيادة المطردة في الإنتاج بالأساليب التكنولوجية المتطورة لا يمكن أن تكون مفتوحة بغير حدود، فهناك حدود للموارد سوف تفرض نفسها بما في ذلك المواد الغذائية ومواد البناء والطاقة …إلخ، كما أن الحدود التي ينبغي أن تراعى في الحفاظ على البيئة من التلوث، سوف تفرض نفسها أيضاً، وإلا تعرضت الحياة على الأرض للانهيار.

إن العالم الذي يزداد ترابطاً في ظل الثورة التكنولوجية التي تقود مسيرته الآن، سيكون بحاجة إلى تطوير أجهزته الدولية أيضاً لمواجهة مشاكله المتعددة والمترابطة.

العدد 917 - 1/07/2020