عـوامـل تؤثـر على أسعـار الصـرف

فؤاد اللحام:

في ضوء الأوضاع الحالية لليرة السورية، واتساع الحديث عن الإجراءات الحكومية والخاصة التي تتخذ لمعالجة هذا التراجع، ودورها في إعادة سعر الصرف إلى مستوى أدنى مما وصل إليه خلال الفترة الأخيرة.

رأى موقع الصناعي السوري نشر هذا المقال بهدف توسيع المعرفة بموضوع دور سعر الصرف، وآثاره والعوامل التي تؤثر عليه، وبالتالي توضيح ما يمكن حول دور سعر الصرف وإيجابيات انخفاضه وارتفاعه أوسلبياتها.

بصرف النظر عن عوامل مثل أسعار الفائدة والتضخم، يعد سعر صرف العملة أحد أهم العوامل المحددة لمستوى الصحة الاقتصادية النسبية للبلد. حيث تلعب أسعار الصرف دورًا حيويًا في مستوى التبادل التجاري للبلد، وهو أمر بالغ الأهمية لكل اقتصاد السوق الحر في العالم. ولهذا السبب، تعد أسعار الصرف من بين التدابير الاقتصادية الأكثر متابعة وتحليلاً والتلاعب بها من قبل الحكومات. لكن أسعار الصرف مهمة على نطاق أصغر أيضًا، فهي تؤثر على العائد الحقيقي لمحفظة المستثمر. هنا، ننظر إلى بعض القوى والعوامل الرئيسية وراء تحركات سعر الصرف. وقبل أن ننظر إلى هذه القوى، يجب أن نعرف كيف تؤثر حركات سعر الصرف على العلاقات التجارية بين الدولة والدول الأخرى. العملة ذات القيمة الأعلى تجعل واردات البلد أقل تكلفة وصادراتها أغلى في الأسواق الأجنبية، العملة ذات القيمة المنخفضة تجعل واردات الدولة أكثر تكلفة وصادراتها أقل تكلفة في الأسواق الخارجية، ومن المتوقع أن يؤدي ارتفاع سعر الصرف إلى تراجع الميزان التجاري للبلد، بينما من المتوقع أن يؤدي انخفاض سعر الصرف إلى تحسينه.

أسعار الصرف نسبية ويتم التعبير عنها كمقارنة بين عملات البلدين، وهناك العديد من العوامل التي تحدد أسعار الصرف، وفيما يلي بعض المحددات الرئيسية لسعر الصرف بين بلدين، مع ملاحظة أن هذه العوامل ليست في ترتيب معين، ومثل العديد من جوانب الاقتصاد، تخضع الأهمية النسبية لهذه العوامل إلى الكثير من النقاش.

 

أولاً:الفروق في التضخم

عادةً ما تكون قيمة عملة الدولة ذات معدل التضخم المنخفض، مرتفعة وتزداد قوتها الشرائية مقارنةً بعملات أخرى، خلال النصف الأخير من القرن العشرين، شملت البلدان ذات التضخم المنخفض اليابان وألمانيا وسويسرا، في حين حققت الولايات المتحدة وكندا معدل تضخم منخفض في وقت لاحق فقط. تلك البلدان التي ترتفع فيها معدلات التضخم تشهد انخفاضًا في عملتها مقارنة بعملات شركائها التجاريين، هذا عادةً ما يكون مصحوبًا بارتفاع أسعار الفائدة.

 

ثانياً:الفروق في أسعار الفائدة

إن أسعار الفائدة والتضخم وأسعار الصرف كلها مرتبطة ببعضها البعض، من خلال التلاعب بأسعار الفائدة، حيث تمارس البنوك المركزية تأثيراً على كل من التضخم وأسعار الصرف وتغيير أسعار الفائدة ما يؤثر على التضخم وقيم العملة، ارتفاع أسعار الفائدة يقدم للمقرضين في الاقتصاد عائدا أعلى نسبة من البلدان الأخرى، لذلك فإن أسعار الفائدة الأعلى تجذب رأس المال الأجنبي وتتسبب في ارتفاع سعر الصرف. ومع ذلك يتم تخفيف تأثير ارتفاع أسعار الفائدة، إذا كان التضخم في البلاد أعلى بكثير من مثيله في بلدان أخرى، أو إذا كانت هناك عوامل إضافية تؤدي إلى انخفاض العملة. حيث توجد علاقة عكسية لخفض أسعار الفائدة – أي انخفاض أسعار الفائدة يميل إلى خفض أسعار الصرف.

 

ثالثاً:العجز في الحساب الجاري

الحساب الجاري هو ميزان التجارة بين بلد ما وشركائه التجاريين، وهو يعكس جميع المدفوعات بين البلدان مقابل السلع والخدمات والفوائد وأرباح الأسهم، ويظهر العجز في الحساب الجاري أن البلاد تنفق على التجارة الخارجية أكثر مما تكسب، وأنها تقترض رأس المال من مصادر أجنبية لتعويض العجز، بمعنى آخر، تحتاج البلاد إلى عملات أجنبية أكثر مما تتلقاه من خلال مبيعات الصادرات، وتزودها بعملتها الخاصة أكثر من طلب الأجانب على منتجاتها، حيث يؤدي الطلب الزائد على العملات الأجنبية إلى خفض سعر الصرف في البلاد إلى أن تكون السلع والخدمات المحلية رخيصة بما فيه الكفاية للأجانب، والأصول الأجنبية مرتفعة للغاية بحيث لا يمكن تحقيق مبيعات للمصالح المحلية.

 

رابعاً:الدين العام

تلجأ البلدان إلى التمويل بالعجز على نطاق واسع لدفع تكاليف مشاريع القطاع العام والتمويل الحكومي، وفي حين أن هذا النشاط يحفز الاقتصاد المحلي، فإن الدول التي تعاني من عجز كبير وديون عامة أقل جاذبية للمستثمرين الأجانب، والسبب؟ الدين الكبيرالذي يشجع التضخم، وإذا كان التضخم مرتفعًا، فستتم خدمة الدين وسداده في النهاية بدولارات حقيقية أرخص في المستقبل.

في أسوأ الحالات، قد تقوم الحكومة بطباعة النقود لدفع جزء من الدين الكبير، لكن زيادة المعروض النقدي تؤدي حتماً إلى تضخم. علاوة على ذلك، إذا كانت الحكومة غير قادرة على خدمة عجزها من خلال الوسائل المحلية (بيع السندات المحلية، زيادة عرض النقود)، فعليها زيادة عرض الأوراق المالية للبيع للأجانب، وبالتالي خفض أسعارها.

أخيرًا، قد يكون الدين الكبير مصدر قلق للأجانب إذا كانوا يعتقدون أن البلاد تخاطر بالتخلف عن الوفاء بالتزاماتها، وسيكون الأجانب أقل استعدادًا لامتلاك أوراق مالية مقومة بتلك العملة إذا كانت مخاطر التخلف عن السداد كبيرة، لهذا السبب فإن تصنيف ديون البلاد (على النحو الذي تحدده وكالة موديز أو ستاندرد آند بورز، على سبيل المثال) هو عامل حاسم في سعر صرفها.

 

خامساً:شروط التجارة

نسبة مقارنة أسعار التصدير بأسعار الاستيراد، حيث ترتبط شروط التجارة بالحسابات الجارية وميزان المدفوعات، إذا ارتفع سعر صادرات الدولة بمعدل أكبر من سعر وارداتها، فقد تحسنت معدلات التبادل التجاري بشكل إيجابي، زيادة معدلات التبادل التجاري تظهر زيادة الطلب على صادرات البلاد، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع الإيرادات من الصادرات، مما يوفر زيادة في الطلب على عملة البلاد (وزيادة في قيمة العملة، بحيث إذا ارتفع سعر الصادرات بمعدل أقل من سعر وارداتها ، فإن قيمة العملة ستنخفض بالنسبة لشركائها التجاريين.

سادساً:الأداء الاقتصادي القوي

يبحث المستثمرون الأجانب حتماً عن الدول المستقرة ذات الأداء الاقتصادي القوي والتي يستثمرون فيها رؤوس أموالهم،. أيّ بلد لديه مثل هذه السمات الإيجابية سوف يجذب أموال الاستثمار من بلدان أخرى يُعتقد أنها تنطوي على مخاطر سياسية واقتصادية أكثر، على سبيل المثال، يمكن أن تسبب الاضطرابات السياسية فقدان الثقة في العملة وتحرك رأس المال لعملات البلدان الأكثر استقرارًا.

 

الخلاصة

يحدد سعر صرف العملة التي يحتفظ بها في محفظة الاستثمار العائد الحقيقي لتلك المحفظة، ومن الواضح أن انخفاض سعر الصرف يقلل من القوة الشرائية للدخل ومكاسب رأس المال الناتجة عن أي عوائد، علاوة على ذلك، يؤثر سعر الصرف على عوامل الدخل الأخرى مثل أسعار الفائدة والتضخم وحتى مكاسب رأس المال من الأوراق المالية المحلية، في حين يتم تحديد أسعار الصرف من خلال العديد من العوامل المعقدة التي كثيراً ما تترك خبراء الاقتصاد الأكثر خبرة في حالة من الفوضى، يجب أن يظل لدى المستثمرين بعض الفهم للدور الهام الذي تلعبه قيم العملة وأسعار الصرف في معدل العائد على استثماراتهم.

العدد 887 - 20/11/2019