الليبرالية والأفخاخ المدمرة

الدكتور سنان علي ديب:

التخلف والقصور الفكري طالما جعلا فئاتٍ تريد العوم والطفو الاجتماعي تتبنى أفكاراً لا تعرف معناها، ولكنها تتباهى بها كنوع من التمايز، ولسنا بصدد الصراع الإيديولوجي في بدايات القرن الماضي وصولاً إلى أواخره، لأن الفكر الاشتراكي خدم الانسانية باتجاهين: الأول اتجاه من تبنى الأفكار وناضل لتطبيقها، لتتغير البنى الاجتماعية، ونال هذا الفكر الشعبية العظمى لأنه عالج أمراضهم الاقتصادية والاجتماعية، بدحر الفقر والعوز، وبتحسّن المؤشرات بكل أنواعها: الصحية، التعليمية، الصحة الإنجابية ومواجهة الأمراض المستعصية. وتحول أغلب من كانوا يعتبرون أدوات وعدداً إلى طاقات فاعلة منتجة، وحرّر العقول فانضمّت النساء إلى قوة العمل والقرار، وحرّر أغلب البلدان وقوّى صلابتها وقرارها. والاتجاه الثاني فرض على المعسكر الآخر تطبيق هذه التغيرات على بلدانهم، لتقويتها ومنع التناقضات العاصفة، ولتكون هذه الدول التي تدّعي الرأسمالية اشتراكية التطبيق المحلي، وإمبريالية النظرة إلى الآخرين.

وبعد حين، وبعد استخدام كل أنواع الأسلحة لتدمير المنجزات وفرض برامج قاتلة لتحطيم داخلي للدول المنتعشة والصلبة، والغاية هي استمرار التفوق للقادة الجدد للعالم، وكل ذلك تحت مسمى الليبرالية المستثمرة المثلى للطاقات الإنتاجية، وسخر لتسويق هذه البرامج كل الشخوص والأدوات البائعة لبلدانها والمرتبطة بالقوى القائدة الجديدة، وكذلك قوض عمل المؤسسات الدولية، من بنك دولي وصندوق نقد وأمم متحدة، لفرض البرامج والرؤى المدمرة، عبر تبريرات وفرض بقوة السلاح أحياناً، لجعل هذه البرامج المفخخة تنفَّذ في بلدان لا تناسب بناها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية، وتنفجر هذه الأفخاخ بالبلدان التي تبنّت ما سمِّي بالليبرالية، وفي الواقع، ما طبِّق لا علاقة له بالليبرالية، التي تعني الحرية. فلا (دعه يعمل، دعه يمرّ!)، ولا السوق تنظم نفسها، وإنما تقليص دور الحكومات، وتركيز الاستثمارات بأيدي أشخاص عرّابين مروّجين للمشروع، وأي ليبرالية تُفرض من دول لا تسمح بالجو الديمقراطي لأي دولة كانوا ينظرون إليها في \معسكر العدالة الاجتماعية. إذاً، ما سموه الليبرالية ظهرت آثاره المتمثلة بتقويض الدول وتهشيمها وتدميرها لتهيئة الاحتلالات بالوكالة، ولتكون هذه الوصفات هي الأسلوب الجديد لاحتلال العالم عبر قائدة ما يسمى العالم المتحضر اللاإنساني، نبع الفساد والإفساد والقتل. ويأتي الوقت الذي تتضح فيه تمثيلية الليبرالية، عبر فرض الرسوم والعقوبات والضرائب، لتقييد حرية البضائع والسلع، ولجعل المعادلة هي الكسب الدائم للقائد العالمي الجديد، وخاصة في وجه الصين وروسيا وأوربا. فالقيادة الجديدة لا تفهم أي لغة إلا الإذعان وقبول الإملاءات وتشرذم الآخرين بيئة صالحة لاستمرار التفرد بالقيادة، ولكن حربهم الاقتصادية الجديدة اصطدمت باقتصاد صيني لم يفرّط لا بمؤسساته ولا ببنوكه، واستطاع، عبر ما سمي اقتصاد السوق الاجتماعي وتملّك الحكومة لأغلب البنى الاقتصادية، مواجهة الغول الجديد الذي فشل بمقارعة المارد، ويستمر الصراع والتحدي الذي لن ينتهي إلا بانتصار الأقوى الذي يحمل مواصفات الإنسانية ويؤمن بها وبالعدالة الاجتماعية وبقبول الآخر والاستثمار بالإنسان كطاقة منتجة إنسانية لا آلة متحركة. وإن العقل البناء يستنتج أن الإيمان بنصر العدالة الإنسانية والاجتماعية بحاجة إلى مؤشرات وفحواها تعاون القوى الانسانية لمواجهة الغول المتفوق مرحلياً بالدولار وبالسلاح والاختراقات المشبوهة لأغلب البلدان. وبانتظار ذلك هل يمكن أن يتحول الحرباء التنظيرية للصراخ بقيم ومبادئ الحرية والانسانية والاستقلالية النابعة من انتصار قوى التحرر ومواجهة العبودية؟

ولهؤلاء أي شخص يسترخص نفسه ويبيع قيمه ومبادئه وبلده يحقق مكاسب شخصية، ولكن تحقيق الوطنية بحاجة إلى سلوكيات مختلفة بعيدة عن الغرائزية والفساد.

أي ليبرالية لعالم دنّس الحرية وعاد لمعاملة الآخر بعبودية سوءها فاق ما سطره تاريخنا لسوق النخاسة!

العدد 878 - 18/09/2019