لا مناطق آمنة لمحتلّ على الأرض السورية

كان لا بد من مشاورات ماراتونية بين الأمريكيين والأتراك، لا لإعادة تركيا إلى (الحظيرة) الأطلسية، فهي لم تغادرها؛ بل لإيجاد القواسم بين مصالح شركاء أمريكا في سورية والمنطقة بشكل عام، ولإفهام روسيا أن مفاعيل الجذب الروسية لأردوغان بعيداً عن (الناتو) والبيت الأبيض، هي محض خيال، وأن الشريك في (أستانا) لن يمضي بعيداً في شراكته، مادامت خيوط تحريكه في أيدي الإدارة الأمريكية، ومادامت أدواته لعرقلة أيّ جهد سلمي لحل الأزمة السورية، هي منظمات إرهابية، وما دامت طموحاته (السلطانية) تجنح بعيداً، إلى جارٍ سوريّ مفتّت.. مقسّم، يتلقّى الأوامر الأمريكية الأردوغانية، مع (تعظيم سلام).

الخلاف الأمريكي التركي الشكلي حول عمق (المنطقة الآمنة) التي وافق عليها الطرفان، كان إشارة أمريكية لطرفٍ حليف ثانٍ، بل كان بداية لعملية التقارب المتوقعة بين الحليفين (اللدودين)، مادامت مصالحهما ترتبط بالمخطط الأمريكي لسورية والمنطقة.

وقد التقط بعض زعماء المنظمات الكردية هذه الإشارة التي كانوا بانتظارها، وراحوا بعيداً في أحلامهم، وطالبوا بشرق وغرب الفرات (آمن)!

المركز العسكري المشترك، المكلف بالتنسيق والإشراف على تنفيذ (المنطقة الآمنة) صار في مرحلة التجهيز على الحدود السورية التركية، وسيبدأ عمله خلال أيام، بينما راحت الدوريات الأمريكية التركية تظهر في منبج ومناطق أخرى.

هذا الاتفاق الأمريكي التركي حول المنطقة (الآمنة) داخل الأراضي السورية أطاح بكلّ ما اتُّفق عليه في اجتماعات قادة (أستانا) والجهود السلمية التي قادتها روسيا وإيران، لإيجاد حل نهائي للأزمة السورية يتوافق مع التفاهمات والقرارات الدولية، وخاصة القرار 2254 الذي يؤكد سيادة سورية على جميع أراضيها، ومنع تقسيمها، ووحدتها أرضاً وشعباً.

في ظل هذا التصعيد الأمريكي التركي، سيأتي اجتماع قادة الدول الضامنة لأستانا في بداية الشهر القادم في اسطنبول، فأي آمال ستعقد عليه، بعد أن دخل قرار الأمريكيين والأتراك بتقسيم سورية مرحلة التنفيذ؟!

الاتفاق الأمريكي التركي، الذي لم يفاجئ السوريين، يتطلب اليوم، إضافة إلى التمسك بالثواب الوطنية، وقفةً لإعادة تقييم الأوضاع، والبحث مع حلفاء سورية عن الوسائل المجدية لإفشال المخططات الأمريكية- التركية، ولتمتين عوامل الصمود في الداخل السوري، عبر توحيد جهود جميع القوى السياسية الوطنية والمكونات الاجتماعية.

إن الشعب السوري الذي وقف مع جيشه الوطني، وسانده في مواجهة الإرهاب، مازال على المتراس، ولن يقبل إلا بسورية الحرّة.. السيّدة، سورية الموحّدة أرضاً وشعباً، وهو يطالب حكومته اليوم بتفعيل عوامل صموده، وببذل الجهود لحلّ المعضلات المعيشية والاجتماعية التي تعانيها الفئات الفقيرة والمتوسطة، وتهيئة الظروف لسجال طويل مع أعداء سورية.

لقد قلنا في الماضي، ونكرر اليوم: ليتفق من يتفق، وليخطط من يخطط، سورية وشعبها لن يركعا.

العدد 878 - 18/09/2019