الحراك السوداني.. إلى أين؟!

 د. صياح عزام: 

لا شك في أن السودانيين قد أرهقتهم أحداث الأشهر الماضية، وراحوا يتطلعون إلى إنهاء الخلاف بين مختلف الأطراف، هذا ما يبدو على المشهد السياسي.

في هذا السياق، وقّع تحالف قوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري في الخرطوم على اتفاق سياسي في 18/7/2019 لتقاسم السلطة وتحقيق الانتقال الديمقراطي، مع العلم بأن الحركة الإسلامية وأتباعها وروافدها الممتدة داخل الجيش السوداني وفي أجهزة الأمن والدولة لم تتوقف عن السعي لإفشال أي اتفاق، ما يساعد على تحقيق مخططاتها في الهيمنة على البلاد والانقضاض على السلطة.

وكانت قوى الإجماع الوطني، وهي أحد أكبر مكونات قوى الحرية والتغيير، قد أعلنت أن وثيقة الإعلان التي أُعلن عنها لا تتناسب مع تأسيس دولة مدنية حقيقية، وقالت في بيان بعد اجتماع مطول حضره الحزب الشيوعي السوداني: إن ما جاء في الوثيقتين السياسية والدستورية يجهض فكرة مشروع إعلان الحرية والتغيير لإدارة الفترة الانتقالية، كذلك أصدر الحزب الشيوعي السوداني بياناً مستقلاً رفض فيه وثيقة التفاوض التي قدمها الوسيطان (الإفريقي والإثيوبي)، وأعلن عدم مشاركته في أي مستوى من مستويات الحكام، وذلك لعدة أسباب منها:

  • إن الاتفاق يُبقي على مكونات الدولة العميقة لنظام البشير.
  • إن الاتفاق لم يُشر إلى مطالب إلغاء العقوبات على عدد من المشاركين في الإضرابات والاحتجاجات، ولا إلى عدم الاعتداء على الحريات العامة، ولا إلى سحب المظاهر المسلحة من الساحات والشوارع.
  • الاتفاق أبقى على مسائل معلقة هامة مثل: منح الحصانة المطلقة للمجلس العسكري الانتقالي، ونسبة تمثيل قوى الحرية والتغيير في المجلس التشريعي والسلطات الممنوحة له، ومسألة إعادة هيكلة قوى الأمن والمخابرات.

جدير بالذكر أن الإعلان السياسي يشمل 22 بنداً، وينص على فترة انتقالية مدتها 39 شهراً من تاريخ التوقيع، منها 21 شهراً تكون فيه الرئاسة للعسكريين، و18 شهراً للمدنيين، كما ينص على إصلاح أجهزة الأمن والأجهزة العسكرية، وتشكيل مجلسين: مجلس السيادة، ومجلس الوزراء. مجلس الوزراء تختار رئيسه قوى إعلان الحرية والتغيير، ويقوم رئيس الوزراء باختيار الوزراء بالتشاور مع قوى الحرية والتغيير، ما عدا وزيري الدفاع والداخلية يختارهما المجلس العسكري. كما ينص الإعلان السياسي على تأجيل تشكيل المجلس التشريعي لبضعة أشهر.

وفي هذا السياق رفض الحزب الشيوعي السوداني مسودة الاتفاق، إذ رأى فيه أنه لا يلبي تطلعات الجماهير السودانية في تحقيق أهداف الثورة والتحول الديمقراطي وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصاد، وأنه أيضاً أبقى على القوانين السائدة التي تحدّ من الحريات، وعلى المؤسسات القمعية، وعلى جميع الاتفاقيات التي كان قد وقّعها النظام السابق في المجالات الدولية والإقليمية وعلى مصالح الرأسمالية الطفيلية، وربما تؤدي بعض تلك الاتفاقيات إلى إثارة النزعات العرقية والانفصالية التي تغذّى من الخارج.

إضافة إلى التحفظ على نقاط أخرى، مثل نسبة مشاركة الشباب والمرأة في المجلس السيادي المقترح تشكيله لاحقاً، ولم تضع الاتفاقية مسألة عقد المؤتمر الدستوري في جدول أعمال المرحلة الانتقالية. رفض الحزب الشيوعي السوداني أيضاً ما جاء في الاتفاق حول لجنة التحقيق المستقلة، مع التأكيد على وجود اللجنة الدولية (الإفريقية)، وأكد ضرورة إلغاء قرارات المجلس العسكري السابقة التي اتخذها منذ الحادي عشر من شهر نيسان الماضي حتى تاريخ الاتفاق ضمن الفترة الانتقالية.

وبشكل عام الاتفاقية بشكلها الحالي لا تساعد في التوصل إلى حل شامل وعادل لكثير من القضايا المهمة.

باختصار، يمكن القول إن الأوضاع في السودان لم تستقر حتى الآن، بسبب التجاذبات الموجودة على الساحة السياسية، وبعض التدخلات الخارجية ولو بشكل غير علني، إلا أن هناك فسحة أمل بأن يتجنّب المتفاوضون سلبيات الاتفاق بين الأطراف الأساسية، بما يؤدي إلى تهدئة الأجواء ووضع البلاد على السكة الصحيحة، الأمر الذي يقطع الطريق على جميع محاولات إطالة الأزمة وتسعير الخلافات لتحقيق أجندة داخلية وخارجية لا تخدم مصالح الشعب السوداني.

 

العدد 882 - 16/10/2019