الفقـــر وبصمتــه عــلى أطفـــال ســوريــة

الفقـــر وبصمتــه عــلى أطفـــال ســوريــة

لم يترك الفقر بصمته على أحدٍ كما تركها على أطفال هذا العالم الذي نعيش فيه، فمع الأطفال يصبح الفقر أكثر وضوحاً وأكثر مأسوية. وبالرغم من أن العديد من بلدان العالم، ومن ضمنها سورية، قد سنّت قوانين تمنع عمل الأطفال وتلزم ذويهم بإرسالهم إلى المدارس، إلا أن ذلك لم يمنع ولم يحُل دون استمرار هذه الظاهرة السيئة والخطيرة والمتناقضة مع الروح الإنسانية.
هناك في العالم أكثير من 150 مليون طفل، معظمهم في البلدان النامية، تتراوح أعمارهم بين الثامنة والخامسة عشرة حسب تقديرات منظمة العمل الدولية، يتوجهون كل صباح إلى أعمال خطرة لا تتناسب مع خبراتهم ولا سنوات عمرهم. بيد أن الأرقام الحقيقية العالمية هي أكبر من ذلك، والأعمال التي يقوم بها هؤلاء الأطفال لا يمكن أن يتصورها بشر. ففي بعض بلدان آسيا يمكن أن يباع الأطفال بأسعار رخيصة، كما يمكن ابتياع طفلة بثمن بخس كي يزجّ بها في بيوت الدعارة التي تشكل تجارة رابحة بالنسبة للكثير من سارقي قوت الشعوب. إن الأطفال يعملون في المصانع لقاء وجبات طعام، وفي ظروف صعبة جداً لا تتناسب مع سنّهم، فهؤلاء الأطفال يشكلون قوة عمل رخيصة جداً تتيح لأرباب العمل الضاربين عرض الحائط بكل القوانين أن يجنوا منها أرباحاً طائلة، والأطفال يخافون ويخضعون لتهديد المشرفين، ولا يمكنهم التجمع أو الاحتجاج لدى السلطات الرسمية، وليس هناك نقابة تدافع عنهم عندما يرهقون بالعمل أو يتقاضون أجوراً رخيصة، وقليل منهم يعرفون حقوقهم القانونية أو يملكون القدرة على الاستفهام حول ماهية الأجر، وأغلبهم شاكرون لأنهم يعملون ويجدون الفرصة لتناول وجبة يومية.
إنها عودة أخرى إلى زمن الرقّ بشكل جعله العالم المعاصر أكثر بشاعة. ففي آسيا وجزر الباسفيك على سبيل المثال، يعمل الأولاد لساعات تتجاوز كل المقررات الرسمية، ثم ينامون في الليل على بلاط المصنع. وفي الهند يكوى الأطفال الصغار بحديد حام إذا أخلّوا بالتعليمات. وفي تايلاند يصب الحامض الحارق على وجوه بنات الهوى المراهقات القاصرات لتأديبهن. وهناك من يرى أن كل ما يحدث لهؤلاء الأطفال هو أفضل بكثير من جلوسهم جياعاً أو تجوالهم بلا عمل.
ويقول تقرير لمنظمة العمل الدولية إن من غير الإنساني أن يجبر الصغار على القيام بدور الكبار، لأن هذا كفيل بقتل طاقاتهم الإبداعية وقدراتهم على السمو، بل إن قواهم العقلية تتبلد تماماً. ففي ظل يوم عمل يمتد إلى أكثر من عشر ساعات يومياً لا يمكن للصغير أن يلعب أو يذهب إلى المدرسة أو يفكر حتى فيما ينتظره في أيامه المقبلة. لقد دعت منظمة العمل الدولية في عام 1973 إلى أن تكون الخامسة عشرة هي السن الدنيا للعمل، ووقعت هذه الوثيقة معظم بلدان العالم، إلا أن المسؤولين في هذه البلدان يغضون النظر عن المساوئ والمظالم الواقعة على هؤلاء الأطفال، وبرغم أن التعليم في الصغر هو أمر إلزامي في كثير من الدول، فإن مجتمعات البلدان الأفقر مضطرة لاعتبار الكسب المادي أفضل بكثير من اكتساب العلم، وتؤكد المعطيات أن اليسير من العلم كفيل بتدبير مستقبل أفضل، ولكن كيف يتحقق هذا الأمر؟ إلا أنه وبرغم هذه الصورة المفزعة، وتنبه العديد من المنظمات الإنسانية لها، فلا مجال للتفاؤل. إن هذه الظاهرة منتشرة في كل مكان، وهي تتسع، موجودة في أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا، وكذلك في البلدان العربية، حتى تلك التي تعتبر غنية بفضل الوجود الكبير للثروات النفطية فيها.
أما في سورية، فكيف انعكست الأزمة الطاحنة التي عاشتها البلاد على الأطفال؟ من الصعب الإحاطة بكل جوانب هذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة التي تواجه المجتمع، بسبب غياب المعطيات الدقيقة، إلا أنه يمكن القول إن الكثير من العائلات التي افتقرت بسبب الأزمة، أخذت تعتمد بصورة أكبر على أطفالها، لتأمين معيشتها، بسبب غياب فرص العمل، والتهجير، وغير ذلك، عن طريق إما التسول أو الأعمال العارضة الرخيصة التي يقوم بها الأطفال، أو السرقة، أو بعض الأعمال الطفيلية الصغيرة مثل شراء ربطة من الخبز بسعر، وبيعها بسعر آخر، أو البغاء بالنسبة للفتيات الصغيرات… إلخ. وقد عانت المدرسة السورية نتيجة ذلك من تسرّب كبير للأطفال، وبدلاً من أن يذهب الأطفال إلى مدارسهم، التي تهدّم الكثير منها بفعل الإرهاب والحرب في أغلب المناطق الريفية في البلاد، كانوا مضطرين للذهاب إلى العمل في الحقول. ولا تتوقف الهجرة من الريف إلى المدينة لتضيف مزيداً من التعطل والحاجة إلى التكسب بأي أجر ووفق أي ظروف، وفي مثل هذه الحالات يعمل الأطفال قبل أن يعمل آباؤهم، لأنهم يقومون بالعمل نفسه ويتقاضون ربع الأجر الذي يتقاضاه البالغ تقريباً.
إلا أن الأمر الأخطر الذي أفرزته الأزمة هو تعاطي الأطفال للمخدرات بصورة واسعة، وهي ظاهرة لم نكن نسمع بها من قبل.
إن أبطال هذه الظاهرة هم أطفال فقدوا الحماية الاجتماعية بكل أنواعها، بدءاً بالأسرة ومروراً بالجهات التي يقع على عاتقها مسؤولية حمايتهم، وتالياً الحد من الظاهرة، وصولاً إلى القوانين التي من المفترض أن تنفّذ بعد تشريعها، لمكافحة الظاهرة الخطيرة، التي يقف خلفها تجّار سمح لهم انحطاطهم بأن يقحموا أطفالاً في تجارتهم القذرة دون أن يجدوا من يردعهم.
وفي ظلّ تقصير الجهات المعنية كوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن معالجة هذه الظاهرة، هناك بعض المبادرات الفردية لجمع هؤلاء الأطفال وإعادة تأهيلهم نفسياً، لكن ذلك غير كافٍ. إن الحل يكمن بتجفيف منابع البيع، وسن تشريعات بهذا الخصوص، وإقامة مشاريع تهدف لتجميع أطفال الشوارع المعرضين للخطر والانحراف، واحتوائهم في مراكز صحية ونفسية مختصة بمعالجة الإدمان، تنفذ برنامجاً تأهيلياً يشمل كل الجوانب اللازمة لتنشئة أطفال أسوياء، إضافة إلى تغيير نظرة المجتمع إليهم باعتبارهم ضحية الظروف، والعمل على توفير مناخ أسري سويّ لهم تحت رعاية لجنة مصغرة ممثلة بمندوب عن كل وزارة مسؤولة.
أخيراً يمكن القول إن ازدياد نسبة الفقر عندنا، وانعكاس ذلك على الأطفال بصورة أساسية مرتبط بمشكلة البطالة المقنعة منها أو السافرة، وضعف النمو الاقتصادي وبالتالي التنمية الاجتماعية، وضعف الخدمات الاجتماعية الأساسية أو حتى غيابها، وعدم وجود شبكة حماية اجتماعية، وكذلك التوزيع المخلّ بالعدالة للثروة، وزيادة النمو السكاني، والحروب والصراعات الداخلية والإرهاب المدمر، وهذا كله يطرح أمام البلاد وضع استراتيجية تتيح إيجاد الحلول المبتكرة التي تساعد على التخلص التدريجي من كل آثار هذه الأزمة الطاحنة التي عاشتها البلاد ونتائجها الكارثية.
يونس صالح

ملايين الأخبار على الصفحات الزرقاء

بضع سنوات كانت كافية لتغير الكثير وعلى وجه التحديد التغييرات التي حملتها ثورة ظهور منصات التواصل الاجتماعي. مليارات البشر حول العالم، ملايين الصفحات الشخصية والعامة والمجموعات بشتى المجالات التي يمكن أن تخطر على بال أحد صفحات قيمة وأخرى تافهة، وتلك المجموعة مهجورة بالمقارنة بجديدة تضج بالمنشورات الجديدة وأعداد الأعضاء المنتسبين إليها، كلها كانت كفيلة بتغيير ذائقة الناس والتعديل من خياراتهم وتوجيه سلوكهم والتحكم بأفكارهم.
جمل من صياغة أي أحد تنشر على أنها مقولات لأشهر الشخصيات العالمية وأكثرها تأثيراً، معلومات عامة أغرب من الخيال يكتشف أنها ملفقة ومرفقة مع صور معدلة لتخدع الأنظار، أخبار منوعة اقتصادية سياسية اجتماعية اقتصادية وحتى طبية يتم التلاعب بها يومياً على صفحات (الفيسبوك)، فقد بات ينشر من خلاله ملايين الأخبار والمعلومات مجهولة المصدر التي قد تجلب للناس أشد الضرر لصعوبة التحقق من المعلومة.
فكيف هو الحال بالمعلومات الطبية التي أصبحت تستقى بشكل كبير من على صفحات الفيسبوك الكثيرة، فمنها ما يختص بالناحية الطبية بشكل كامل، ومنها ما خصص فقرة طبية يومية من مجمل منشوراتها.
فضلاً عن آلاف المجموعات التي يدَّعى أن هناك عدة أطباء يعملون على الإشراف عليها ونشر المعلومات الطبية المفيدة وللرد على استفسارات الناس الكثيرة. ليتبين أن الناس وحدهم هم من يسألون وهم من يجيبون، كلٌّ حسب معرفته وبمعلومات غالباً ما تكون خاطئة او أنها لا تعمَّم، هي وصفات وإرشادات لحالات فردية خاصة.
ومثال على ذلك المعلومات التي تدعو إلى استخدم المواد الطبيعية، فهي إن لم تؤخذ بكميات مدروسة بشدة ومحددة بدقة قد تؤثر سلباً على صحة الإنسان، كأن شرب كوب ماء مثلج قد يسبب عسر الهضم؟ وعادات شرب خاطئة تؤثر على صحتك تعرف عليها وتجنبها، أو أن سمك السلمون من أكثر الأسماك المفيدة لصحة الجسم. فحص العيون يمكن أن يتنبأ بالإصابة بمرض الزهايمر قبل ظهوره بوقت طويل، أو أن اختلال هرمونات الغدة الدرقية يؤدي إلى صعوبة التركيز وتساقط الشعر ومشاكل عديدة. أو أنه نشرت دراسة تفيد بأن ورق التوت يعمل مثل الأنسولين لمرضى السكري لأن فاكهة التوت تحتوي علي نسبة عالية من الأملاح مثل الصوديوم، الكالسيوم، الفوسفور والبوتاسيوم وغيرها من الاملاح إضافة إلي العديد من الفيتامينات…إلخ
مثل هذه المعلومات والصفحات أصبحت مرجعاً للناس، يعتبرونها صحيحة ولا يعتريهم أي شك بمدى صحتها، بل يساعدون على نشرها ومنهم من يطبقها على نفسه وينصح بها غيره دون أدنى محاولة للتأكد منها بسؤال مختص او بالبحث عبر مواقع إلكترونية موثوقة.
المشكلة الحقيقية هنا اعتبار كل ما ينشر عبر صفحات الفيسبوك صحيحاً ودقيقاً، غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، فأغلب المعلومات مجتزأة أو منقوصة أو غير صحيحة بالكامل، لذا تكمن الخطورة في أن شريحة كبيرة من متصفحي الفيسبوك غير متعلم وغير مثقف وقد لا يعي حجم الضرر الناجم من تتبع هذه المعلومات والأخذ بها دون تحقّق، لذلك أصبحت مسؤولية على كل شخص أخذ الحيطة من المعلومات التي تنشر وتتداول، وأن لا يعتبرها حقيقة ثابتة لا تقبل النزاع، بل الأجدر بنا تنبيه عائلاتنا وأصدقائنا إلى ضرورة التأكد من أي معلومة قبل نشرها أو تطبيقها لكي لا يقعوا فريسة الجهل وضحية اتباع المعلومات العشوائية ظناً منهم أنها ستفيدهم يوما ما. وريثما يأتي هذا اليوم، الخوف ثم الخوف من أن يقعوا ضحية هذه المعلومات التي لا يوثق بها.
ولاء العنيد

فلسفة التعامل الحكومي… الحكومة و»استحضار« هموم المواطن

لعلّ عبارة (هموم المواطن) عبارةٌ مألوفةٌ لدى بني البشر المنتمين إلى المصلحة العامة أو إلى أولئك المرتبطين بها من عامة الناس وخاصّتهم، سواء بطلب أو قضية أو موضوع ما يوضع أصولاً في المؤسسات والدوائر وحتى أكشاك (المخترة)، أما ميزة (مواطن بلا هموم) فإنما هي حكرٌ على الحكوميين. قضايا المواطنين لا تحتمل التأجيل. يتلكأ المدير أو رئيس الدائرة أحياناً في تعامله مع (هموم المواطنين) إذا لم يستوعب ما ورد إليه، وفي حال كان مواظباً وضمن فريقه (سكرتاريا) قديرة، يجري تنبيهه إلى الكتب التي رماها إلى أجل غير مسمى، فيستدعي أهل الذكر والخبرة ويضع الحاشية اللازمة أو غير اللازمة ويقصي الموضوع من لائحة الانتظار الإداري، ليصبح كتاباً رسمياً صالحاً برقم وتاريخ ونُسخ صحيحة أو مقلوبة مثقوبة الجوانب أو منقوبة، لتستقر في مأواها بإضبارة لمّ شمل البريد، أو في مثواها ما قبل الأخير ضمن (كرتونة) الزجّ في المستودعات، طبعاً بعد أن يستلم المواطن نسخته ويتدبّر بها أمره أو أمر من أوكله بأمره.

التأجيل الاستعجالي!
ومن حالات تأجيل الإدارة لمواضيع ما، ارتباط تلك المواضيع ببريد آخر قد يطرأ على الطريق، ومنها ما يمنح معنيّاً بإبطاء أمرٍ ما فُرَصاً إضافية للإجهاز على خصمٍ له، فبعض ضربات الإدارة المتكرر والمبرّح قد لا يجدي أبداً، فيأتي تأجيل المواضيع هنا سيداً للموقف ويمنح المعنيّ الوقت للتظاهر بالقوة وحُسن التصرف وإبعاد الشبهات عن نفسه إلى وقت قد يقال فيه (من ضرب ضرب ومن هرب هرب)، الأمر الذي تعجّ أضابير الحكومة بنماذج منه، وخاصةً إذا كان بعض أفراد إدارةٍ ما للاستعمال الخارجي فقط… أما أقسى حالات الإهمال فهي الإهمال المزاجي المعبّر عن استهتار صاحبه بصاحب الحالة، أو ذلك الإهمال الذي يعكس جهل المدير أو نقص مهارته المكتسب عبر سلسلة من الإخفاقات. (غض النظر) و(عدم الموافقة) و(اللامانع)!
من الحالات أيضاً (غضّ النظر) هروباً من موضوعٍ ما يعكس حذر بعض الحكوميين في اتخاذ القرار، وخاصةً حين يبث له آخرون ذوو مصالح مطّلعون على بريده أو مُطْلَعون عليه إشاراتٍ سلكية ولاسلكية بضرورة عدم الموافقة رغم أنه لا مانع، فيتأرجح هذا البعض بين تلك الإشارات وبين (اللامانع) ويُصدَم بصدمة أشبه بالكهربائية، فيحشو حاشيته المتوترة في أعتم زاوية من المعاملة بعبارة للدراسة ويتنفّس الصعداء ومعه مديرو الاستعلامات الذين يشعرون بسعة الصدر ولذّة الجواب لدى إبلاغهم المراجعين من منكوبي الانتظار بالانتظار، فالأمر قد يكون خَطْباً جَلَلاً، مليئاً إشكاليّاتٍ وعللاً، وقد يسبّب للموما إليهم ارتفاع حرارةٍ وسخونةً أو شللاً وبللاً!

رأي ذوي الخبرة
وفيما يرى بعض ذوي الخبرة في تأجيل إنجاز المعاملات مقتلاً لتلك المعاملات وزجّاً لها في مثواها الأخير ودفناً لآمال صاحبها حيّةً، يرى آخرون أنه ضعفٌ في اتخاذ القرار ناجمٌ عن معركة خير وشر في رأس المقرِّر، فإنْ فعل خيراً قد يفعلون به شرّاً، وإنْ فعل شرّاً قد يؤنّبه الضمير والقانون…فيصاب بالحيرة وينتظر، وربما يدعو بطول العمر لصاحب العلاقة، فبعض الحالات ما زال قيد الانتظار منذ سنوات، قضى أصحابها نحبهم وآخرون ينتظرون، فالحكومة لا تغيّر نهجها ببساطة، وذلك على مبدأ (الذي تعرفه ولو كنت لا تعرف شيئاً عنه أفضل من الذي لا تعرفه ولا تريد أن تعرف شيئاً عنه) و(الوضع مغطّى بالقوانين النافذة) و(النافذة مفتوحة للمراجعين… هذا فضلاً عن الرباعي على الأثير وصفحة التواصل مع الشعب الغفير)!

مسؤولية حكومة مضت
أم حكومة أتت؟
من أمثلة (رمي المعاملات على الرفّ) ما قد يكون آخر إنجازات حكومة عبرت، وربما أول إنجازات حكومة أتت. فحتى مدير استعلامات الحكومة لا يدري من الذي يرمي تلك المعاملات، يجلس في غرفة (انتظار) على يسار البناء خلف كوّة لاستلام البريد والمراجعين معاً، فهؤلاء محظورٌ دخولهم إلى سيد البناء، أما (الاستعلامي) فلا يعنيه أقديمٌ رئيس المجلس أم جديد، وكل ما يعرفه أن المعاملة ترقد في حضن الحكومة، ثم تتيه كالمجنونة في أروقتها الداخلية والخارجية، العُلوية والسُّفلية، وتتأخر، (نعم، تتأخر)! جوابٌ لا مثيل له على لسان (الاستعلامي)، يأتي أسرع من برق كانون وأخطف من لمح العيون، يعاجل به ويعالج حيرة المراجع واستفهام عينيه، فتنسحبان مع صاحبها على درب مسيرة الحكوميين ولا تجد منهم أحداً، فظهورهم على هذا الدرب في الشاشة بكامل الأناقة والبشاشة له مواعيد يحددها المخرج ويرضى عنها مدير المركز الإخباري الذي يذيّل لقارئ النشرة عبارات (حل مشاكل المواطنين)، فتتصدّر الشاشة متلألئةً وتحتل نصفها بخط عربي جميل. ألا يفسّر ذلك ما يشعر به المواطن في أذنيه من طنين؟! فالحكوميون لا يألون جهداً في (استحضار) سيرة المواطن وهمومه، وفي كل لحظة يذكرون اسمه ويجعلون همّه عبرة لمن اعتبر، ويجعلون الطنين في أذنيه كنغمة وتر ونعمة مطر!
سليمان أمين

هـــــل ستعـــــفي الحـــــكومــــــــة
ذوي الشهـــــــــداء من أقسـاط القـــروض؟!

لم نكن وحدنا المطالبين بإعفاء أهالي الشهداء، الذين قدموا أغلى ما يملكون كي يبقى الوطن، من أقساط القروض التي استجرّوها من المصارف الحكومية، لاسيما أنهم دفعوها دماً طاهراً زكياً وروحاً مازالت تنتظر خلاصنا من إرهاب لعين.
وإذا كانت الحكومة قد وعدت في أكثر من مناسبة بدراسة القروض المستجرة من الشهداء قبل استشهادهم، ثم إعفاء ذويهم من تسديدها، وعدم الاكتفاء بما قام به بعض رجال الأعمال في طرطوس من تسديد قرض هنا وآخر هناك لعدد من الحالات الحرجة.
بتاريخ 20/11/2017 ترأس رئيس مجلس الوزراء اجتماعاً نوعياً لوزارة المالية والمصرف المركزي والمصارف العامة وتقرر خلاله دراسة قروض الشهداء ووضع آلية خاصة لمعالجتها وتسديدها بهدف تخفيف العبء عن ذويهم.
وبالطبع فإن ذوي الشهداء استبشروا خيراً بعد أن قرؤوا الخبر في وسائل الإعلام، وباتوا يسألون ويراجعون المصارف لمعرفة ما إذا صدرت أية تعليمات من رئاسة مجلس الوزراء بخصوص القروض التي سبق أن استجرّها أبناؤهم الشهداء. ولكن للأسف فقد كان الجواب في كل الحالات: كلا، لم تصل!
وبعد أن ارتفعت وتيرة التساؤلات حول هذا الموضوع، وبعد مضي سبعة أشهر وأكثر على الاجتماع، مازال الأهالي من ذوي الشهداء يسألون عن مصير الدراسة، ويشيرون إلى تراكم الأقساط عليهم، لعدم قدرتهم على التسديد ويعبرون عن خوفهم من قيام المصرف العقاري وبقية المصارف باتخاذ إجراءات بحقهم من شأنها بيع بيوتهم أو حجز أي شيء يخصّهم.
اليوم نعود لمتابعة الموضوع في ضوء بعض المستجدات، فقد علمت (النور) أنه قد وصلت إلى فروع المصارف تعليمات تقضي بموافاة إداراتها العامة بالقروض التي تم استجرارها من أشخاص استشهدوا بعد ذلك، مع ذكر التفاصيل المتعلقة بكل قرض، والمصارف تعمل الآن على ذلك بالتعاون مع مكاتب شؤون الشهداء.
لكن مع هذا الإجراء وحصر الأمور بالشهيد دون زوجته أو والده أو والدته وصلتنا الكثير من الاتصالات من أسر شهداء يطالبون فيها بتشميلهم بالقرار، بحيث يتم تسديد القروض المستجرة وخاصة من زوجات الشهداء اللواتي لديهن أولاد ويقمن بتربيتهن ويسكنّ في بيت كان يسكن فيه الشهيد لكنه باسم زوجته، وهي من استجرت القرض باسمها وتعيش الآن فيه مع أبناء الشهيد ولا تستطيع تسديد أقساطه وقد تراكمت عليها الديون.
ما نتمناه من السيد رئيس الحكومة والوزارة مجتمعة أن ينتهي هذا الملف بسرعة، وأن يشمل شهداء الدفاع الوطني والقوات الرديفة، كي نخفف من معاناتهم التي طالت، بعد ان انتظروا لسنوات سبع عجاف مرسوماً رئاسياً يقضي بمساواة شهدائهم مع شهداء الجيش العربي السوري.
رمضان ابراهيم

عُدْ بأحلى حال يا عيد؟!

العيد هو فرحة كبرى ينتظرها الكبار والصغار لتحقيق الأماني والأحلام المؤجلة، ويترقب الجميع حلول العيد بفارغ الصبر، ويعدّون العدّة له، ومع ارتقابه تعلن حالة الاستنفار عند الأسر السورية لشراء الألبسة وجميع مستلزمات العيد من مأكولات وحلويات وغيرها.
لكن فرحة العيد غالباً ما تكتمل، وذلك بتحديد الأماكن الخاصة بالعيد التي تتوفر فيها عوامل الأمان والمراقبة للأطفال، والتي تجنب الأطفال الألعاب الخطرة والمفرقعات والمشاكل التي تحدث عادة في الأعياد، وقد يكون ذلك على مستوى العاصمة دمشق وبعض المدن.
لكن ماذا عن العيد في المدن والأرياف والمناطق الأخرى؟ ببساطة وبكل أسف نجد غياباً لكل الجهات الرقابية عن أماكن وجود الأطفال الذين يشكلون فرحة العيد وبهجته، لكن الخطر يلاحقهم من أكثر من جهة، مثل الانتشار العشوائي لألعاب العيد في الشوارع والساحات المفتوحة والمخترقة من الدراجات النارية والسيارات والأحصنة وغيرها.
وبالنسبة للألعاب من مراجيح ودوارات وغيرها، فإنها تفتقد غالباً عوامل الأمان والسلامة، وشاهدنا أكثر من حادث في هذا العيد وفي غيره، وكذلك موضوع انتشار بسطات الأطعمة المكشوفة والمأكولات والمشروبات غير المراقبة صحياً، ولابد من الإشارة إلى الخطر الأكبر وهو موضوع الألعاب النارية (فتيش ومفرقات ومسدسات الخرز) التي تحول ساحة العيد إلى ساحة معركة حقيقية بين الأطفال التي تلحق الأذى الشديد بعيونهم وأجسادهم، الأمر الذي تكون آثاره سلبية، لا على الأطفال فقط بل على أسرهم مادياً ونفسياً، لأن إصابة أي طفل تنغص على الأهل كثيراً وتنزع منهم فرحة العيد وبهجته.
والسؤال هو: كيف تغزو هذه المفرقعات أسواقنا بهذه الكميات الكبيرة دون أي رقابة عليها، رغم كل التحذيرات الشديدة بمنعها ومعاقبة بائعيها؟
والقضية الأخرى التي نشير إليها هي: موضوع الأسواق وألبسة الأطفال، إذ نلاحظ غياباً تاماً للرقابة التموينية عن الأسواق، فقد حطمت أسعار ألبسة الأطفال الأرقام القياسية في هذا العيد، وأرباح التجار كانت فاحشة دون حسيب أو رقيب، وأنهكت كواهل الأسر السورية وأفرغت جيوبهم أكثر مما هي خاوية!
بقي أن نقول: يجب تأمين كل المستلزمات الضرورية لأطفالنا في الأعياد في كل المناطق، بتأمين أماكن آمنة وألعاب ومأكولات وأطعمة، وذلك بإشراف جهات رقابية مختصة، ويجب أن لا ننسى أن للأهل دوراً مهماً بمرافقة الأطفال في العيد وتوعيتهم وإرشادهم، وبذلك يكون العيد أحلى!
محمود هلال

العدد 993 - 19/01/2022