د. ماهر الشّريف في الفكر الصهيوني الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين
مصطفى الهرش:
يقدّم الباحث والمؤرخ الفلسطيني د. ماهر الشّريف في دراسته (في الفكر الصهيوني- الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين) الصّادرة حديثاً في لبنان، قراءة شاملة ومتكاملة لمسارات مفصلية شهدتها فلسطين قبيل احتلالها من قِبل اليهود الصهاينة وخلال احتلالها وبعد إعلانها دولةً يهودية اسمها إسرائيل.
استند الباحث في دراسته المسهبة إلى نموذج الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في تحليله الصراع الذي دار، ولا يزال يدور، على الأرض الفلسطينية منذ أكثر من قرن من الزمان. وقد شرع في إعداد بحثه هذا مع انطلاق حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. متسائلاً عن خلفيات هذه الإبادة، هل هي وليدة ساعتها، ونابعة من نزعة الانتقام على ما جرى في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أم لها جذور في الفكر الصهيوني وفي أدبيات المعبرين عنه منذ أواخر القرن التاسع عشر؟

الباحث استشهد بالعديد من الأبحاث العربية التي تناولت الاستعمار الصهيوني، منها الكتيّب الذي صدر سنة 1965، عن مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية بعنوان (الاستعمار الصهيوني في فلسطين)، حيث قدّر فايز صايغ أنّ الصهيونية تعبر عن نوع جديد من الاستعمار الاستيطاني العنصري، الذي هدف إلى نزع ملكية أراضي الشعب الأصلي وطرده من بلده الأصلي. ومنها كتاب (الصهيونية والاستعمار الاستيطاني: مقاربات فلسطينية) لمجموعة من المؤلفين أشرف عليه الفلسطينيان نديم روحانا وعرين هواري، وفيه (أنّ الفلسطينيين لطالما نظروا إلى الصهيونية، على أنها مشروع استعمار استيطاني، على نحو واضح لا لَبسَ فيه، إذ أدركت أغلبيتهم، منذ بداية المواجهة مع الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، أن جوهر المشروع الصهيوني (تمثَّلَ في إحضار سكان من أوربا، بدعم من القوة الاستعمارية العظمى آنذاك (بريطانيا) والسعي لتشريدهم وإحلال غيرهم في وطنهم بالتهجير والاستبدال).
والمتابع لصفحات الكتاب وفصوله العديدة، يجد نفسه أمام تحليل تاريخي للفكر الصهيوني، ولفكرة احتلال فلسطين من ألِفِها إلى يائِها، فالكتاب لا يتناول- بحسب الباحث – الأحداث السياسية إلا بمقدار ما تساعد في تسليط الضوء على الفكرة واستيعابها. فالبحث يندرج في حقل تاريخ الأفكار وتطورها بالنسبة للصهيونية وإقامة دولة لها غصباً على أرض فلسطين. كما ويندرج في سياق الاعتماد على مراجع علمية وتاريخية موثقة ومؤرشفة، فالكاتب كما يقول عن نفسه، غير ملمّ باللغة العِبْرية، لذلك اعتمد على مصادر فرنسية بصورة خاصة، اشتملت على كتب وثائقية، ككتاب (صهيونيات) الذي احتوى نصوصاً أساسية، لمعبّرين عن الفكر الصهيوني بمختلف تياراته ومراحل تطوره التاريخية، جمعها وقدّم لها دوني شاربيت، وكتاب (الصهيونية في النصوص) الذي جمعت نصوصه ديلفين بينيشو وقدم له دومينيك بوريل، وكتاب (1891-1907:الحركة الصهيونية تكتشف وجود عرب فلسطين) الذي جمع نصوصه وعلق عليها ناتان وينشتوك، وكتاب مارتن بوبر (أرض واحدة وشعبان: المسألة اليهودية- العربية)، الذي جمع نصوصه وقدم لها بول ماندر فلوهر.
يشتمل هذا البحث على عناوين رئيسية بارزة، هي:
1- حيثيات تبلوُر النزعة القومية اليهودية قبل ولادة الصهيونية السياسية، وسط يهود أوربا الشرقية والوسطى، الذين تأثروا بثورات 1848 الديمقراطية في أوربا.
2-تبلوُر الصهيونية السياسية على يد تيودور هرتزل، واندراجها ضمن المشروع الاستعماري الأوربي، وارتباطها بظاهرة معاداة السامية، ومضمون كتاب (دولة اليهود) الذي نشره هرتزل سنة 1896، والذي تضمن تصوره لحل المسألة اليهودية عبر منح اليهود، بصفتهم شعباً رغماً عنهم، السيادة على قطعة أرض يمكن أن تكون في الأرجنتين أو في فلسطين، يقيمون دولة عليها.
3- الحديث عن التيارات الصهيونية، التي اختلفت فيما بينها في الشكل والتقت في الجوهر.
4-كيفية اكتشاف الصهيونية المسألة العربية في فلسطين، والنقاشات التي دارت بين أنصار الارتباط بالشرق وأنصار الارتباط بالغرب، وغلبة هؤلاء الأخيرين الذين اعتقدوا أن تفوق اليهود على المستوى الحضاري يعود إلى ارتباطهم بالغرب.
5- مواقف المعبرين عن الصهيونية إزاء المسألة العربية بعد صدور تصريح بلفور، وزيارة حاييم وايزمن إلى فلسطين واللقاءات التي أجراها مع ممثلي السكان العرب، ومحاولته التلويح بالمنافع الاقتصادية التي سيجنونها من هجرة اليهود.
6- الحديث عن التيار الأقلوي الذي برز داخل المنظمة الصهيونية.
7- زيادة عدد اليهود في فلسطين وتوسيع المستوطنات.
8- حيثيات ولادة الحركة التصحيحية على يد زئيف فلاديمير جابونتسكي، الذي طالب بأن تشمل الدولة اليهودية كذلك الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن.
9- مواقف الصهيونية العمّالية بعد إقامة دولة إسرائيل.
10- مواقف اليمين القومي بزعامة مناحم بيغن.
11- أفكار تيار الصهيونية الدينية، الذي انطلق من أن القومية والدين متكاملان في حالة اليهود.
12- أفكار مارتن بوبر وريث الصهيونية الثقافية، الذي أقرّ، بعد قيام دولة إسرائيل، بإخفاق مشروع الدولة الثنائية القومية.
من هنا، يُعيدنا د. ماهر الشريف إلى مقدمات تاريخ النكبة الفلسطينية، ويعيدنا إلى السؤال الذي طرحه هرتزل: (هل نفضّل فلسطين أم الأرجنتين؟) ويفصّل لنا جواب هرتزل نفسه على السؤال، وممّا جاء فيه: (… أمّا فلسطين، فهي وطننا التاريخي الذي لا يُنسى، والاسم في حد ذاته سيكون بمثابة صرخة حاشدة قوية لشعبنا، وإذا أعطانا جلالة السلطان (العثماني) فلسطين، يمكننا أن نملك القوة الكافية لتنظيم أمور تركيا المالية بصورة كلية. وبالنسبة لأوربا، فسنشكّل هناك قطعة من المتراس ضد آسيا، ونكون الحارس المتقدم للحضارة ضد البربرية).
لقد قام المشروع الصهيوني – وفق الكاتب – على ثلاثة أسس رئيسية هي:
1- السيطرة على الأراضي الفلسطينية، فمن دون تملّك الأرض في نظر زعماء المنظمة الصهيونية لن تتحول أرض إسرائيل مطلقاً إلى أرض يهودية.
2 – إقامة اقتصاد يهودي متجانس ومستقل، على قاعدة العمل العبري.
3- العمل على ضمان وجود أغلبية كبيرة من السكان اليهود في فلسطين.
انطلاقاً من هذه المعلومات والمصادر والمراجع التي استند إليها الكاتب، والذي أضاء من خلالها على مرحلة تلو المرحلة، في قراءة مسار الفكر الصهيوني ومشروع الاحتلال الصهيوني السري لفلسطين وتهجير شعبها، يتوقف د. ماهر الشريف عند الأفكار الاولى بشأن تهجير العرب الفلسطينيين، وتحديداً عند دور يسرائيل زانغويل، الذي ارتبطت باسمه فكرة أن فلسطين (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). فقد زار فلسطين سنة 1887، ووقف وجهاً لوجه أمام حقائقها الديموغرافية. ويصل بنا إلى تاريخ ما بين الاعوام 1937-1948 حين بدأت سياسة ترحيل غير معلنَة للفلسطينيين، ومن ثم صدور قرار تقسيم فلسطين وكل الأحداث والمحطات المأسوية التي شهدها الشعب الفلسطيني المناضل، وصولاً إلى الانتفاضات العديدة، وحرب الإبادة الدموية التي حصلت اليوم ضد أبناء قطاع غزة.
لا شك في أنّ العقيدة الاحتلالية الاجرامية للصهيونية، نفّذتها الحركة التصحيحية الصهيونية التي كان لها أهدافها المعلنة وغير المعلنة إلى يومنا هذا، وكانت هذه الحركة متماهية بالكامل مع زئيف فلاديمير جابوتنسكي الذي دعا إلى ممارسة الكفاح المسلح، فعملتْ على تبنيّ هذه العبارة المشؤومة: (بالنار والدم سقطت يهودا، وبالنار والدم ستنهض يهودا).
وفي الخلاصة، توصّل هذا البحث المهمّ والمندرج في اثني عشر فصلاً، إلى جملة من الاستخلاصات – بحسب د. ماهر الشريف – بينت أن المواقف التي سوغ بها الزعماء الاسرائيليون حربَ الابادة على قطاع غزة، لم تكن وليدة ساعتها ونابعة من نزعة الانتقام، بل أيضا كانت لها جذور في الفكر الصهيوني وأدبيات المعبّرين عنه. وأنّ (الصّراع الذي دار، ولا يزال دائراً، على الأرض الفلسطينية منذ أكثر من قرن من الزمان، ليس صراعاً بين حركتين قوميتين، إنّما هو صراع خاضه سكّان فلسطين الأصلانيّون ضد الصّهيونية وما زالوا يخوضونه).
الناشر:
مؤسسة الدراسات الفلسطينية
الطبعة الأولى:
تشرين الثاني (نوفمبر) 2025
عدد الصفحات:
357 صفحة من القطع الكبير