استبدال العملة في ظل الحكم المؤقت.. الاقتصاد بين غياب الشرعية وتفكك الثقة
سليمان أمين:
لا يُعدّ استبدال العملة الوطنية إجراءً نقدياً عادياً، بل يُصنّف ضمن القرارات السيادية التي تمسّ جوهر الدولة ووظيفتها الأساسية في حماية القيمة والثقة. فالعملة ليست مجرد أداة حساب أو وسيلة تبادل، بل هي انعكاس مباشر لشكل السلطة، ومستوى شرعيتها، وقدرتها على إدارة الاقتصاد ضمن قواعد مؤسسية واضحة. لذلك، فإن أي محاولة لتبديل العملة أو إزالة أصفارها، خصوصاً في سياق سياسي انتقالي أو في ظل حكومة مؤقتة، تثير أسئلة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والقانون والعقد الاجتماعي. في الحالة السورية، يتقاطع هذا القرار مع واقع معقد من الانهيار الاقتصادي، وضعف المؤسسات، وغياب التمثيل الديمقراطي، ما يجعل من استبدال العملة اختباراً حقيقياً لفكرة الدولة نفسها، لا مجرد إجراء تقني لتحسين التداول النقدي.
استبدال العملة كقرار سيادي عالي الحساسية
في التجارب الدولية، يُنظر إلى استبدال العملة بوصفه قراراً بالغ الحساسية يتطلب تحضيراً طويل الأمد وإجماعاً مؤسسياً واسعاً. فالدول التي أقدمت على هذه الخطوة، سواء في أوربا الشرقية أو أمريكا اللاتينية، ربطتها دائماً بإصلاحات اقتصادية شاملة، وبإطار قانوني واضح، وبنقاشات عامة هدفت إلى طمأنة المجتمع والأسواق. السبب في ذلك أن أي خلل في إدارة هذه العملية قد يؤدي إلى اضطرابات سعرية، وتآكل المدخرات، وارتفاع حاد في التضخم. في السياق السوري، جاء القرار في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار، حيث تعاني الدولة من ضعف القدرة الإحصائية، وغياب البيانات الدقيقة، وتآكل أدوات السياسة النقدية. وعليه، فإن استبدال العملة في مثل هذا السياق لا يُقرأ كخطوة إصلاحية، بل كإجراء محفوف بالمخاطر، قد يعمّق الأزمة بدل أن يخففها.
غياب الآليات الحكومية والمؤسسية لإدارة التبديل
أحد أبرز أوجه الخلل في عملية استبدال العملة يتمثل في الغياب شبه الكامل لآليات حكومية واضحة تدير العملية من بدايتها إلى نهايتها. فلم تُعلن خطة تنفيذية مفصلة، ولا جدول زمني شفاف، ولا آليات رقابة تضمن عدم التلاعب أو الاستغلال. كما لم تُنشر بيانات دقيقة حول حجم الكتلة النقدية المتداولة، ولا حول كيفية سحب العملة القديمة وضخ الجديدة. هذا الغياب لا يعكس فقط ضعفاً تقنياً، بل يشير إلى أزمة أعمق في الحوكمة، حيث تُتخذ القرارات السيادية من دون إشراك المؤسسات الاقتصادية أو الفاعلين الاجتماعيين. وفي مثل هذا الفراغ، يُترك المواطن وحده لمواجهة الغموض، بينما تُفتح الأبواب أمام الفوضى والمضاربة والفساد.
إزالة الأصفار بين السياسة الرمزية والواقع الاقتصادي
تُقدَّم إزالة الأصفار عادةً كإجراء تقني يهدف إلى تبسيط التعاملات واستعادة الثقة النفسية بالعملة. غير أن الاقتصاد لا يعمل بالرموز، بل بالوقائع. فإزالة الأصفار لا تعالج الأسباب البنيوية للتضخم، ولا توقف تراجع القوة الشرائية، ولا تعيد الاستقرار النقدي ما لم تُرافق بإصلاحات جذرية في المالية العامة، والإنتاج، والسياسة النقدية. في الحالة السورية، حيث لا توجد استراتيجية واضحة لمعالجة العجز أو التضخم أو انهيار الإنتاج، تبدو إزالة الأصفار إجراءً شكلياً، يُعيد صياغة الأرقام من دون تغيير مضمونها. الأخطر من ذلك أن هذا الإجراء قد يخلق وهماً مؤقتاً بالتحسن، سرعان ما يتبدد مع أول موجة غلاء جديدة.
الشرعية السياسية وحدود صلاحيات الحكومة المؤقتة
يثير استبدال العملة في ظل حكومة مؤقتة سؤالاً مركزياً حول الشرعية السياسية وحدود الصلاحيات. فالعملة ليست قراراً تنفيذياً عابراً، بل تمسّ حقوق المواطنين ومدخراتهم ومستقبلهم الاقتصادي. في النظم الديمقراطية، يخضع مثل هذا القرار لنقاش برلماني، ويُتخذ ضمن إطار تفويض شعبي واضح. أما في غياب مجلس شعب منتخب، وحياة حزبية فاعلة، وآليات مساءلة حقيقية، فإن القرار يفتقر إلى الغطاء الشرعي، مهما كانت مبرراته الاقتصادية. الحكومات المؤقتة، بحكم تعريفها، تُفترض أن تدير المرحلة الانتقالية لا أن تعيد تشكيل الأسس النقدية للدولة، لأن ذلك يحمّل الأجيال القادمة كلفة قرارات لم تُمنح فرصة مناقشتها أو الاعتراض عليها.
الأثر الاجتماعي والاقتصادي على المواطنين
في نهاية المطاف، لا يعيش المواطن الجدل النظري حول السيادة والشرعية، بل يواجه نتائج القرار في حياته اليومية. استبدال العملة في مجتمع يعاني فيه معظم السكان من الفقر يعني مخاطر حقيقية على المدخرات الصغيرة، وارتباكاً في الأسعار، وصعوبة في التكيّف مع القيم الجديدة.
كما يعزز هذا الارتباك سلوكيات دفاعية، مثل الاكتناز أو التحول إلى العملات الأجنبية أو السلع، ما يزيد الضغط على السوق ويعمّق الأزمة. ومع غياب الثقة بالمؤسسات، لا يُستقبل القرار كخطوة إصلاحية، بل كعامل إضافي لعدم الاستقرار، يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
ختاماً: إن استبدال العملة خارج إطار الشرعية والمؤسسات لا يمكن اعتباره إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً. فالعملة تستمد قيمتها من الثقة، والثقة لا تُفرض بقرار إداري، بل تُبنى عبر الشفافية والمساءلة والمشاركة. وعندما تُتخذ قرارات نقدية كبرى في ظل حكم مؤقت، ومن دون آليات واضحة أو تفويض شعبي، فإنها تُسهم في تقويض ما تبقى من العقد الاجتماعي. التأثير الحقيقي لهذا القرار لا يظهر فوراً، بل يتراكم في سلوك المواطنين، وفي علاقتهم بالدولة، وفي استعدادهم لقبول العملة الوطنية بوصفها مخزناً للقيمة. ومن دون إعادة بناء الإطار السياسي والمؤسسي، يبقى استبدال العملة خطوة عالية الكلفة، محدودة الجدوى، يدفع المواطن ثمنها قبل أن يجني أي فائدة محتملة.