التهرّب من الحوار الوطني وتداعياتُه المدمّرة

كانت لمسألة الحوار الوطني الشامل بين أطياف الشعب السوري السياسية والدينية والاجتماعية، الأولوية في نشاطنا السياسي نحن في الحزب الشيوعي السوري الموحد، منذ بداية الألفية الجديدة، وكنا نستند في أهمية هذا الاستحقاق إلى مسألتين أساسيتين:

الأولى- أن وحدة السوريين وتوافقهم تشكّل الداعم الرئيسي لمواجهة الأطماع الصهيونية المبيّتة.. الساعية لا إلى التوسع فقط، بل إلى الاجتياح الشامل للمنطقة العربية، وهي في الوقت ذاته الضمانة الأكيدة لنضال السوريين من أجل استعادة الجولان السوري المحتل.

الثاني- أن مشاركة جميع الأطياف في الحوار تفتح الآفاق أمام تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة، وتنهي معاناة السوريين المعيشية، وتنهض بقطاعاتنا المنتجة في القطاعين العام والخاص، وتخلق مزيداً من فرص العمل لشبابنا الذين كانوا يرفدون سوق العمل بنحو (210) مئتين وعشرة آلاف طالب عمل في كل عام.

ولم يخلُ أيّ بيان للحزب آنذاك من التأكيد على مسألة الحوار الوطني، بل تقدمنا في أكثر من مناسبة بمذكرات تفصيلية إلى القيادة السياسية في البلاد، تطالب بتحقيق هذا المطلب، لكن الغرور كان حاضراً، والتفرّد والاستئثار كانا طاغيين، والآذان كانت من طين.

إن غياب الحوار والمشاركة وتهميش الآخر، دفعت أطياف الشعب السوري دفعاً إلى الاستقواء بطوائفهم.. ومناطقهم.. وإثنيّاتهم، بدلاً من الدولة التي كانت تدار تارةً بالتفرّد، وتارةً بدفن الرؤوس في الرمال.

وعندما نزل الناس إلى الشوارع في آذار 2011، مطالبين بالإصلاح السياسي والاقتصادي، وقبل أن يستغل التحالف الدولي – الإقليمي هذا الحراك السلمي ويتحول بعد ذلك إلى المواجهات الدامية، طالبنا قيادة البلاد بعقد حوار وطني شامل، بل بادر حزبنا إلى الدعوة إليه، لكن قيادة البلاد، بعد تصاعد الاحتجاجات، دعت إلى حوار (صحارى) وأودعت مقرراته في الأدراج المغلقة، وعاش السوريون بعد ذلك سنوات الجمر والدماء.

نعود اليوم إلى التأكيد على مواقفنا، فسورية لجميع السوريين، ولا يجوز أن تدار بعقلية الاستئثار التي حصد شعبنا بجميع أطيافه، تداعياتها المدمرة، وأخطر هذه التداعيات تصدّع السلم الأهلي، والاستقواء بالتشكيلات ما قبل المدنية.

إن استعادة السلم الأهلي عبر مصالحة وطنية شاملة، والحوار مع الأحزاب السياسية وأطياف الشعب السوري الدينية والطائفية والإثنية، وحده الطريق الآمن لبناء سورية الجديدة الديمقراطية المدنية.

إن عقلية (من يحرّر يقرّر) ستأخذ سورية وشعبنا إلى نفق أسود جديد.

دون توافق وطني بين جميع السوريين في الداخل، لن تفعل المساندة والتأييد الخارجي من أرجاء الدنيا فعلها في تحقيق طموحات السوريين إلى وطن يحافظ على سيادته، ويعلي من كرامة مواطنيه.

ودون الحريات العامة، وعودة الحياة السياسية التي تلجم التطرف السياسي والديني والطائفي والإثني، ستتصاعد النزعات المتطرفة، وتذهب بالبلاد إلى مآسٍ جديدة.

سورية لجميع السوريين.

العدد 1181 - 7/01/2026