الأسباب الأساسية لدعم الولايات المتحدة للإسلام السياسي
يونس كامل صالح:
يمكن التأكيد أنّ أحد الأسباب التي تُفسر استمرار الغرب طويلاً في القبول بالإسلام السياسيّ، كان بروز الإسلام الاقتصاديّ في السبعينيات من القرن الماضيّ. إن جزءاً كبيراً من الثروة الهائلة التي تصب في الدول العربية المصدرة للنفط، كان يتدفق إلى شبكات واسعة من البنوك وشركات الاستثمار الخاضعة لسيطرة اليمين الإسلاميّ والإخوان المسلمين. هذه البنوك كانت أكثر من مجرد مصارف، فقد كانت تقوم- بشكل علني وأحياناً سراً- بتمويل السياسيين والعسكريين المتعاطفين والأحزاب السياسية والنشطاء وشركات الإعلام التي يُسيطر عليها الإسلاميون، والمؤسسات الرأسمالية التي يُسيطر عليها (الإخوان المسلمون).
وبدايةً من أوائل السبعينيات أصبح هذا النظام البنكي الإسلامي بمنزلة العمود الفقري التمويلي لليمين الإسلامي. ولقد صعد خلال عقدين إلى ذروة القمة العالمية، وكان يعتمد بشكل رئيسي على الاستشارات والمساعدات التقنية التي يتلقاها من مجموعة المؤسسات الأمريكية والأوربية.
ومن وجهة نظر صندوق النقد الدولي ومنظري السوق الحرة، كانت البنوك الإسلامية تبدو مثالية، فاليمين الإسلامي أوضح بجلاء أنّه يُفضّل الرأسمالية على الشيوعية الإلحادية (مثل حركة الإخوان المسلمين). لقد ولدت البنوك الإسلامية في مصر، وموّلتها دول الخليج، ثم انتشرت في أركان العالم الإسلامي. في البداية كانت تبدو نظاماً شرقياً للسوق الحرة، ثم سرعان ما عبّرت الحركة البنكية الإسلامية عن أبعادها السياسية، وأصبحت محرك ليس لتصدير الإسلام السياسي فقط، بل وراعية للعنف وتمويل عمليات التحول السياسي اليميني في عدد من البلدان مثل مصر والسودان وباكستان وتركيا وغيرها من البلدان الأخرى.
ووجدت البنوك الغربية الكبرى في ظهور الحركة البنكية الإسلامية فرصة لا تعوّض، (فدخلت لتقديم الخبرة والتدريب من أجل تسهيل توسع القوة البنكية لليمين الإسلامي). ولقد كانت لعبة شيطانية أنّ ترتكز الإمبراطورية الأمريكية (المراد إقامتها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ووسط وغرب آسيا) في أحد جوانبها على قاعدة الإسلام السياسي.
أثناء الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة تقوم بتشجيع وتمويل اليمين الإسلامي، وكانت على مدى عشرات السنين تزرع الإسلاميين وتستخدمهم، وتُسيء استخدامهم، لتنكشف مؤخراً خطأ حساباتها الاستراتيجية. لقد كان الإسلام السياسي شريكاً (مريحاً) للولايات المتحدة الأمريكية في كل مراحل بناء إمبراطورتيها في الشرق الأوسط، وتغلغلها وتوسعها العسكري في المنطقة. ومع تراجع الحركة القومية في السبعينيات من القرن الماضي بعد رحيل جمال عبد الناصر، أصبح الإسلاميون سنداً للعديد من الأنظمة المرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية، وفي الثمانينيات كثّفت المخابرات المركزية الأمريكية جهودها من خلال الصفقات السرية لاستخدام الأصولية الإسلامية أداة هجومية ضد الاتحاد السوفييتي. بدءاً من أفغانستان إلى آسيا الوسطى، وبحلول عقد التسعينيات، أصبحت مسألة استخدام اليمين الإسلامي تستوجب إعادة النظر.
فبدأ بعض صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية يرون في الإسلام السياسي تهديداً جديداً، ويحلونه محل الشيوعية باعتباره المنافس العالمي للولايات المتحدة. وفي هذا العقد نفسه واجهت الولايات المتحدة سلسلة من الأزمات في تعاملها مع قوة الإسلام السياسي، وظهر الارتباك في الموقف الأمريكي، ففي الوقت الذي كانوا يتعاطفون فيه مع القوة الصاعدة للإسلام السياسي، كان الأمريكيون يؤيدون الحكومة الجزائرية في تصديها العنيف للجماعات الإسلامية، ويواصلون محادثاتهم مع الإسلاميين الجزائريين الذين تحولوا إلى العنف المسلح. وفي مصر، حيث كانت جماعة الإخوان المسلمين والحركات العنيفة التي خرجت من عباءتها تمثل تهديداً للنظام، ظلت الولايات المتحدة تتخذ من مسألة دعم الإخوان المسلمين لعبة تتلاعب بها.
وفي سورية كان واضحاً تعامل الأمريكان أيضاً مع الإخوان المسلمين في أحداث الثمانينيات. وفي أفغانستان التي تمزقت بعد حقبة الجهاد التي كانت ترعاها الولايات المتحدة ضد السوفييت، إذ تمكنت طالبان من كسب دعم الولايات المتحدة. ومنذ 11 أيلول عام 2001م اكتسب الشعور بأنّ الولايات المتحدة والعالم الإسلامي يقفان على شفا صدام مصداقية. فهل هو فعلاً صدام حضارات؟
إن إطلاق صفة الخطر الإسلامي بتلك المبالغة الشديدة كان المقصود منه اصطناع حجة تستند إليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدءاً من بوش الابن لتوسيع الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط الكبير. وفي هذا السياق يجري التساؤل عما إذا كان الاحتلال الأمريكي للشرق الأوسط يعود إلى أهداف أخرى غير مناهضة الإرهاب، وما إذا كان المقصود منه محاولة الولايات المتحدة أن تبسط سيطرتها العالمية، وأن تزرع العلم الأمريكي في المنطقة، أم أنّ ذلك يحدث لأنّ حوالي نصف بترول العالم يوجد في السعودية والعراق؟ أم بسبب أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تقيم تلك العلاقة الخاصة مع اليمين الإسرائيلي؟
لقد كان من الصعب على الولايات المتحدة الأمريكية أنّ تحجّم قوى الإسلاميين، وأنّ تحفز قوة المعتدلين والوسطيين والعلمانيين. لقد سقطت أفغانستان في يد حركة طالبان، وفشل الإسلام السياسي في فرض سيطرته على مصر وتونس وليبيا إثر ما تم تسميته بالربيع العربي.
لقد أكد التطور الأحداث في المنطقة، أّن الولايات المتحدة الأمريكية لا تملك حالياً تلك السياسة المتماسكة لا تجاه الإسلام السياسي، ولا تجاه المنطقة بصورة عامة.