الاقتصاد السوري يعاني.. ما العمل؟
لن نسهب مطولاً في إبراز مظاهر الأزمة العميقة التي تسم اقتصادنا الوطني، فقد كتبنا الكثير – وكتب غيرنا أيضاً من خبراء الاقتصاد الوطنيين – بهدف كشف أسبابها وسبل الخروج منها بأقل الخسائر، كما كتب الكثيرون أيضاً ولكن سعياً وراء أهداف ليست بريئة، بل تصب في خانة من أكد.. وساهم.. وقاتل.. وأجرم، كي يحطم الدولة السورية كياناً واقتصاداً ومجتمعاً.
المشهد السوري بعد أربعين شهراً من الأزمة:
1ـ تحالف عالمي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوربية كبرى وحكام الخليج وتركيا، يسعى إلى كسر الحلقة الرئيسة التي تمثلها سورية، في التحالف الإقليمي المعادي للإمبريالية الأمريكية والصهيونية.
2- استخدام السلاح والجهاديين التابعين للقاعدة في دعم المجموعات المسلحة، وتحول الأراضي السورية إلى مركز أوحد لسكان الكهوف المبرمجين لتحقيق هدف واحد: إقامة دولة الإقصاء التي لا تعترف بكل ما أنتجته البشرية من إنتاج سياسي وفكري واجتماعي.
3ـ حصار اقتصادي محكم، حجّم نشاط قطاعات الإنتاج السورية، وأقفل أبواب التجارة العالمية والمصارف في وجه المنتجات السورية، بعد عقد عانت فيه هذه القطاعات من السياسات النيوليبرالية التي آلمت القطاعات المنتجة، وهمشت مصالح الفئات الفقيرة والمتوسطة.
4ـ تدمير مقصود.. وممنهج، للقاعدة الاقتصادية السورية وبناها التحتية التي كلفت الأيدي العاملة وخزينة السوريين عقوداً من الجهد المضني، ومليارات من الدولارات.
5ـ تراجع قيمة الليرة السورية مقابل العملات العالمية، وانعكاس ذلك على أسعار جميع السلع والخدمات.
6ـ ارتفاع خطير في نسب البطالة والفقر، ونزوح مئات الألوف، بل الملايين، إلى المدن الآمنة وإلى دول الجوار.
7ـ خروج الرساميل السورية، وتوطنها في بلدان أوربية وعربية..
8ـ تراجع خطير في إيرادات الدولة العامة، وعدم قدرتها على متابعة برامجها الاقتصادية والإنمائية والاجتماعية.
9ـ معاناة شديدة تعرضت لها الفئات الفقيرة والمتوسطة، شملت غذاءها ودواءها وجميع احتياجاتها السلعية والخدمية.. وبروز حيتان الأسواق، ومقتنصي الفرص.
10ـ تراجع الحكومة شيئاً فشيئاً عن دعم المشتقات النفطية، وعن بقية أشكال الدعم التمويني.. والخدمي.
11ـ ظهر النمو الاقتصادي سالباً، وانخفض انخفاضاً حاداً حجم الاحتياطي الاستراتيجي من القطع الأجنبي.
12 انخفاض إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وخاصة القمح، وبروز معضلة استلام المحصول من المزارعين في مناطق الإنتاج بسبب وجود المجموعات الإرهابية.
13 ـ تراجع إنتاج النفط..وارتفاع فاتورة مستوردات المشتقات النفطية.
هذا هو المشهد بعد أربعين شهراً من أزمة طاحنة تداخل في أسباب حدوثها عوامل داخلية وخارجية، لكن الأبرز كان تحوّل سورية إلى قِبلة للإرهاب العالمي المدعوم من الإمبريالية الأمريكية وشركائها.
الحكومات.. ودورها
في مثل هذه الظروف الاستثنائية، بقدر ما يتطلب الأمر سرعة اتخاذ الإجراءات الحكومية التي تركز على إعادة عجلة الإنتاج إلى الدوران، تحجّم هذه الإجراءات بسبب استمرار الأعمال القتالية، فرغم تقدم القوات المسلحة السورية في مواجهتها للإرهابيين وانتزاع مناطق جديدة كانت تحت سيطرتهم، فإن معالجة أوضاع الاقتصاد السوري تتطلب، كما تبين فقرات المشهد المشار إليها أعلاه، سيطرة الدولة على كامل أراضيها ومنشآتها ومرافقها، ومصادر إنتاجها المتعددة، (نفط.. كهرباء، مياه، مرافئ، طرق).
لذلك، كان دور الحكومات وأدواتها الاقتصادية والمالية محدوداً في أغلب الأحيان، وشابه الخطأ في بعض الأحيان.
في ظل هذه الظروف يلعب الزمن دوراً رئيساً، فاستمرار الأزمة يؤدي إلى ضعف الإمكانات الحكومية في معالجة تداعياتها.
ما العمل.. في ظل هذا المشهد؟
إنه السؤال الصعب.. والذي لا نعتقد أن خبرات الاقتصاديين.. وملفاتهم المستمدة من التاريخ الحديث للفكر الاقتصادي، وتطبيقاته خلال الحروب والأزمات العالمية خلال القرن المنصرم، قادرة على الإجابة عنه بضربة سيف قاطعة، هكذا… 1ـ2ـ3ـ…
فاستثنائية الأزمة السورية.. وتفرّدها بجذب الباحثين عن الجنة.. بـ(الجهاد).. والدعم الذي تقدمه قوى التحالف العالمي المعادي لسورية، يصعّب كثيراً استحضار الحلول..وابتكار المفاجآت النهائية. لكن هذا لا يعني الوقوف كالتماثيل أمام استمرار حالة الركود الشديد التي يعانيها الاقتصاد السوري.. والمعاناة الشديدة التي قصمت ظهور المواطنين السوريين.
إننا نرى في الظرف الراهن ضرورة اتخاذ إجراءات تؤدي إلى زيادة إيرادات الدولة، والتخفيض الملموس لأي نفقة لا تقتضيها الأوضاع الراهنة:
1ـ ضبط جباية أموال الدولة، الضرائب.. والرسوم، وتخليصها من الفساد الذي أدى ويؤدي إلى انخفاض حصيلتها.
2ـ تعديل التشريعات الضريبية، وزيادة معدلات الضريبة على الملكيات الكبيرة والريوع والأرباح العالية بنسبة لا تتجاوز 8%.
3ـ مساعدة صناعة الفوسفات، وتأمين احتياجاتها، لزيادة إنتاجها بهدف تصدير الفائض عن الحاجة الداخلية، خاصة بعد ارتفاع السعر العالمي للفوسفات.
4ـ اتخاذ ما يلزم لإعادة سيطرة الدولة على الآبار النفطية، وسرعة إصلاح هذه الآبار تمهيداً لعودة الدعم الذي يقدمه تصدير النفط إلى الخزينة العامة.
5ـ إيجاد طريقة لضمان تسليم محصول القمح لمؤسسة الحبوب، إذ رغم انخفاض محصول هذا العام إلى أقل من 2 مليون طن، لكن استلام هذا المحصول يوفر على الخزينة العامة فاتورة استيراده من الخارج.
6ـ بذل الجهود لإعادة المطاحن الحكومية إلى العمل، وقيامها بطحن المحصول بدلاً من استيراد الطحين ومايترتب عليه من ارتفاع التكلفة.
7ـ منذ سنوات ونحن نؤكد أهمية توجيه الدعم الحكومي إلى مستحقيه الفعليين وهم الفئات الفقيرة والمتوسطة، إذلا يجوز في هذه الأيام الصعبة أن تستفيد الفئات الثرية من هذا الدعم، وبالتالي فإن نجاح الحكومة في هذه المسألة يخفض حجم الدعم الحكومي بنسبة كبيرة توجه إلى استحقاقات أخرى.
8ـ تحفيز الرساميل الوطنية المقيمة والمغادرة بسبب الأزمة، على العودة، والتشاور مع المستثمرين الوطنيين بهدف إعادة قطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي إلى العمل.
والتوجه إلى مغتربينا في الخارج للمساهمة في دعم الاقتصاد الوطني والمالية العامة للدولة، فقد وقف السوريون في الخارج دائماً إلى جانب وطنهم سورية في الأوقات الصعبة.
9ـ التشاور مع غرفتي الصناعة والتجارة لتصدير ما يمكن تصديره من إنتاج المعامل السورية، وتشجيعهم.. ودعمهم.. والاستفادة من عوائد التصدير.
نعود إلى التأكيد ثانية، أن إنهاء حالة الركود التي يمر بها اقتصادنا الوطني، وزيادة إيرادات الحكومة المالية، وإعادة إعمار ما خربته يد الإجرام يتطلب حل الأزمة السورية عبر عمليات المصالحة الوطنية، وعودة التلاحم إلى جميع مكونات شعبنا، مع الاستمرار في ضرب الإرهاب وملاحقته، وتطهير الأراضي السورية من مجموعات الإرهاب والتكفير والإقصاء.