17 نيسان بنكهة مختلفة في دمشق

ساحة يوسف العظمة تصدح بصوت أهالي دمشق: بدنا نعيش!

كان الموعد يوم الجمعة 17 نيسان، الساعة الثانية ظهراً.. إلا أن العشرات من الأشخاص توافدوا قبل الموعد، وحاولوا التجمع في ساحة الشهيد يوسف العظمة أمام بناء المحافظة، رافعين لافتاتهم المطلبية والاجتماعية دون هتافات وبشكل حضاري، وكان بالمقابل قد وصل إلى الساحة أيضاً جموعٌ من المعارضين للوقفة والمؤيدين للسلطة، بدت عليهم نيّة المواجهة وتخوين القائمين على الوقفة واتهامهم بأنهم فلول النظام السابق.

كان واضحاً، في البداية، غياب أي وجود لقوى الأمن وعناصر مكافحة الشغب، مما فتح المجال لاعتداءات قام بها عناصر من مؤيدي السلطة طالت عدداً من المعتصمين وكسر هواتفهم وضربهم واستخدام عبارات نابية بحقهم وإلصاق التهم بهم: (فلول النظام – انفصاليين – أعداء الثورة).

إلا أن المشهد تغيّر بعد وصول عناصر الأمن المكلفين بحماية الاعتصام إضافة إلى عناصر مكافحة الشغب الذين قاموا بفصل المؤيدين للسلطة عن المتظاهرين السلميين، وهؤلاء اضطروا لتغيير مكان تجمعهم لاتقاء عنف المشاغبين الحاقدين من الطرف الآخر، وتحولت الساحة إلى شارعين متقابلين. المتظاهرون كانوا سلميين ويهتفون ضد الغلاء وارتفاع الأسعار ووقف العمل بتسعيرة الكهرباء الجديدة، إضافة إلى هتافات: واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحدـ سورية ليست للبيع ـ بدنا نعيش ـ وهتافات وطنية ضد إسرائيل. أما المؤيدون للسلطة فرفعوا رايات مختلفة تخصهم (كانت غالباً ذات طابع ديني لا وطني) وهتفوا ضد العلمانية وهتافات اتهامية للمتظاهرين بأنهم فلول ومخربون.

الحقيقة أن تطور النضالات المطلبية هو أمر إيجابي وخطوة نحو توحيد السوريين حول مصالحهم الحقيقية، والجرأة بإعلاء الصوت للمطالبة بالعيش الكريم وتحقيق العدالة وتأمين مطالب الناس من صحة وتعليم ونقل وخبز وتحسين مستوى دخل المواطن ورفع الأجور هو من أهم أولويات أي حكومة تريد الحفاظ على شعبها وصون كرامته.

إن ما جرى في ساحة يوسف العظمة يدل على أن أهالي دمشق يشاركون جميع السوريين همومهم، ووجود المئات منهم (نساء ـ شبوخ ـ تجار – طلاب ـ محجبات) يمثلون المجتمع الدمشقي بكل أطيافه وألوانه هو دلالة واضحة على أن الشعب لا يمكنه السكوت على الضيم ولن يقبل الذل واستغلاله بلقمة عيشه، ولا يساوم على وحدة سورية وصون ترابها، وحتماً هناك الألوف ممن لم يشاركوا لاعتبارات عديدة كانوا بقلوبهم ومشاعرهم متضامنين وموافقين على هذه المطالب المحقة التي رفعت في ساحة المحافظة.

وما الأعداد التي حاولت الشغب والتشويش على الاعتصام سوى أشخاص تحركهم رموز لا تريد لسورية الخروج من أزماتها، وتتعارض مصالحهم مع بناء الدولة الوطنية الجامعة، ولا يرغبون أن يعيش السوريون بجميع أطيافهم في ظل سلام وكفاية وعدل.

تدخّل القوى الأمنية الذي هو من واجبها أساساً، وفصلها بين الشارعين المتعارضين ساهم في تخفيف حدة الاحتكاك ومنع التصادم رغم أنهم لم يلاحقوا الذين تسبّبوا بالتهجم على الصحفيين والناشطين واكتفوا فقط بإبعادهم، مما خلق حالة استياء في صفوف المتظاهرين السلميين.

يُحسَب للاعتصام والمعتصمين والمنظّمين اختيار المكان (ساحة الشهيد يوسف العظمة) وهي نفسها ساحة المحافظة، واختيار الزمان (17 نيسان) ذكرى عيد الجلاء، هذا البعد الوطني تناغم وترافق مع البعد الاجتماعي (مطالب معيشية ملحّة)، وبرز ذلك في رفع العلم الوطني وفي الشعارات التي رفعها المشاركون والمشاركات في الاعتصام، وبرز أيضاً ارتفاع مستوى الوعي والانضباط وعدم الانجرار للاستفزازات. كما يحسب للمنظمين توثيق حملة التحريض التي سبقت الاعتصام، والاستفزازات والتعديات على بعض المشاركين والمشاركات في الاعتصام، ووفق تقرير حقوقي نشره فريق (العدالة للجميع) فقد شارك في الاعتصام نحو 1200 مواطن ومواطنة، وكان عدد المعترضين نحو 300 مواطن، وأورد التقرير أسماء أكثر من 20 من الأفراد والجهات الذين كانوا الأكثر مشاركة في حملة التحريض وإثارة الكراهية ضد الداعين للاعتصام والمشاركين فيه، وطالب التقرير السلطات باتخاذ الإجراءات اللازمة، وعبر عن استعداد الفريق للتوكّل عن الذين تعرضوا لاعتداءات لفظية أو جسدية ومتابعة قضاياهم، كما تضمن التقري استنتاجات مفيدة لنشاطات قادمة.

على العموم كانت الوقفة الاحتجاجية تجربة رائدة على الطريق الصحيح لانتزاع الحقوق، وعلى كل النخب والأحزاب والقوى الاجتماعية والشخصيات الوطنية دعم مثل هذه المبادرات وتفعيلها، ولابد لهذه الأحزاب من تشجيع ودعم هذا الحراك الجماهيري المطالب بالحقوق والحياة الكريمة.

سوريا لجميع السوريين.

العدد 1195 - 23/04/2026