هل ترتقي إلى مستوى التحديات؟
وضع السيد رئيس الجمهورية، في أول اجتماع له مع الحكومة الجديدة، جملة من المهام الأساسية في ميدان التصدي للإرهاب، وكسب ثقة المواطنين واحترام عقل المواطن وكرامته، ومحاربة الفساد وضبط الأسواق والأسعار، واحترام القانون، وغير ذلك من التوجهات، وتمس هذه القضايا جوهر التحديات التي تواجه البلاد وتشغل بال المواطنين وتقلق حياتهم، خاصة أننا في ظرف استثنائي وفي حالة حرب حقيقية ضد أعداء ألدّاء أعدوا العدة لتدمير سورية دولةً ووطناً. ولأن الأمور على هذا المستوى من الخطورة، كان من الطبيعي إذاً أن ترتفع أصوات المواطنين مطالبة الحكومة السابقة، وقبلها بالطبع الحكومات التي سبقتها، بالارتقاء على مستوى تلك التحديات، وأن يعبّر أداؤها الفعلي عن هذا الأمر.
وكانت الحكومة السابقة قد قامت ببعض الخطوات من أجل عقد مؤتمر وطني واسع، وأجرت العديد من الحوارات مع قوى سياسية واجتماعية في هذا الإطار، ولكن هذه العملية دبّ فيها الجمود، في الوقت الذي يحتاج فيه الأمر إلى مزيد من توسيع قاعدة الحكم وإشراك مزيد من القوى والفعاليات الوطنية المختلفة في معالجة مشكلات البلاد.
ويتساءل الكثيرون عن السر الذي جعل الأسعار تحافظ على ارتفاعها الفلكي المستمر دونما أي هبوط بمستوياتها ومعدلاتها، رغم عدم الارتباط في كثير من الأحوال بين كلفة الاستيراد وأسعار البيع في الداخل، وكيف يتدبر أصحاب الدخل المحدود والراتب المحدود أمورهم في ظل ارتفاع الأسعار بمعدلات تصل إلى أكثر من 300% أحياناً، وفي الوقت نفسه رواتبهم ومداخيلهم ظلت مجمّدة أو أنها تراجعت.
ورغم أن تلك الحكومة اتخذت جملة من التدابير التي حدّت من ارتفاع مستوى الأزمة إلى حدود أخطر، أي وقف التدهور في بعض القطاعات، لكن المداواة كانت ترتكز على الحلول الآنية والإسعافية لأمراض تحتاج إلى أكثر من ذلك، رغم كل التفهم للظروف الموضوعية الصعبة التي فرضتها حالة الحصار الاقتصادي والعقوبات الجائرة المفروضة على البلاد. لكن ما الذي كان ومايزال يعيق عملية مكافحة الفساد التي اتخذت أبعاداً مخيفة أفقياً وشاقولياً، إلى درجة اعتقد معها البعض أن الحكومة استسلمت لهذا الواقع الذي لم تجد له حلولاً ليست بالضرورة أن تكون سحرية، بل على الأقل أن نرى الخط البياني للفساد في تنازل لا في تصاعد.
أما التعديات التي كثرت على الحواجز وتزايد عمليات الابتزاز والسرقة، خاصة من مجموعات السلب والخطف التي تخصصت بهذه المهنة مستغلة ظروف الحرب، فقد أصبحت تقض مضاجع الناس وتزيد من مخاوفهم على حياتهم وحياة أبنائهم وممتلكاتهم.
والسؤال الآن يدور حول مدى قدرة التركيبة الوزارية الجديدة على إحراز تقدم في التصدي لهذه الأزمات والمشكلات، وفي مدى جديتها بتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين. ومما لاشك فيه أن الأمر مرهون إلى حد كبير بتحسّن الوضع الأمني للبلاد، واستمرار التغلب على المجموعات الإرهابية المسلحة، لكن الكثير من التقدم كان يمكن أن يحصل لو جرى التوجه نحو أطياف وطنية أوسع لإشراكها في تحمل المسؤوليات في هذا الظرف الدقيق.
إن حزمة من القوانين تنتظر الحكومة الجديدة، وفي بعضها ما يتعارض مع دور الدولة التنموي، مثل قانون التشاركية، وكذلك الأمر فيما يتعلق بتعديل القوانين بما يتوافق مع الدستور الجديد، ومنها قانون الأحزاب، فضلاً عن قانون الجمعيات الأهلية وغيرها.
إن الأمل معقود على جميع القوى الوطنية في البلاد داخل الجبهة وخارجها بالعمل معاً لانتصار سورية وتجاوز محنتها، وتهيئة الظروف لإعادة إعمارها.