المرأة بين الأمس واليوم
يأتي الثامن من آذار.. اليوم العالمي للمرأة – ومناطق عديدة في الكرة الأرضية، مشحونة بالنزاعات والحروب، منبعها التباينات الطبقية والخلافات الأيديولوجية والصراع السياسي، وفي أكثرها حدّة الانطلاق من فكرة (القوي يأكل الضعيف).
ومنذ زمن بعيد لم تخرج المرأة من (الدائرة النارية الملتهبة)، فكانت رحى الرجل تطحنها وتحوّلها إلى عجينة طيّعة، تسمع الأوامر وتنفذ الطلبات والتعليمات دون أن تعترض، وليس كما يقول العسكريون (نفّذ ثم اعترض..؟!).
وتشعَّبت مآسي المرأة وازدادت دموعها ملوحة، وامتلأ قلبها غيظاً، وتكلَّست آمالها.. و تمرّ الأيام بطيئة وهي تزحف على ركبتين من صوَّان، ولا تنبس بكلمة رغم عناد النساء إلاَّ أنَّ طبائعهنَّ ليست واحدة بل تختلف وتتباين حسب قاموس النساء الفيزيولوجي والسسيولوجي، وهي تهمس بصوت مخنوق تحت خيمة العبودية والاستغلال وحَلَقة ضعيفة، مهملة، مَنْسيّة.
وعندما تراكم الصبر في قمة الجبل وثار البركان الخامد، انتفضت المرأة وتحرَّكت دماء الثورة والتحرر في شرايين (الأَمَات) أيضاً.. عندئذ خرجت النساء من بيوتهنَّ إلى الساحات والشوارع يرفعنَ الشعارات ويطالبنَ بحقوقهنَّ ومساواتهنَّ بالرجال.. كي تعيش المرأة حُرَّة وتفكّ قيود العبودية والاستغلال..! ففي اليونان القديمة على سبيل المثال، قادت (ليسترانا) إضراباً عن الجنس ضد الرجال من أجل إنهاء الحرب.. وخلال الثورة الفرنسية نظمت نساء باريس مسيرة إلى قصر فرساي رفعنَ شعار (الحرية والمساواة والأخوّة)، وطالبنَ بحق المرأة في الاقتراع.
ورغم غرق العرب قاطبة في أوحال الاستعمار القديم والحديث، إلاَّ أن المرأة العربية خرجت من صمتها ووقفت إلى جانب الرجل من أجل الاستقلال والحرية والسيادة والمساواة. وكان لنضال المرأة في بلاد الشام ووادي النيل وبلاد الرافدين، مساهمة فعَّالة في تأسيس الجمعيات والروابط النسائية، في ظل أنظمة ملكية وجمهورية، وحكومات عسكرية تابعتْ (مسيرة) العبودية والاستغلال واضطهاد المرأة التي خلَّفها المستعمرون، باعتبارها ضلعاً من ضلوع الرجل أو عظمة من عظامه.. وأن الرجل هو رأس المرأة.. والمرأة عبدة أو أّمَة.. وهذا الواقع لن يصمد أمام الحَراك الاجتماعي والسياسي النسائي الذي لم ينفصل عن نضال الرجال.ورغم التطور المتسارع الذي حملته ثورة الاتصالات، ما تزال المرأة تعاني في عديد الأقطار العربية من سوء العيش والإذلال والعبودية وطمس حقوقها وإهمالها كأنها سلعة، خاصة في بلدان الخليج وبلدان عربية أخرى تدَّعي أن المرأة في أوج حريتها وقد نالت حقوقها كاملة. وما تزال دساتير معظم الأنظمة العربية تكذب وتكذب وتغمس مواد دساتيرها بماء الكلام المنمَّق المعسول أو المغسول بالفوقية،ويحبّر بدموع النساء ويصنعون الحروف من آلامهنَّ وهنَّ صابرات..!
اليوم، ونحن نستعيد قراءة ما خطته أقلام قادة العالم في (إعلان الألفية)، نتساءل عن مدى الالتزام بتحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم وتحقيق مطالب النساء والبرامج التي ناضلن من أجلها بحلول عام 2015. وهل حقق المنتدى العالمي للتعليم الذي عقد في (داكار) الأهداف التي أعلن عنها لتوفير التعليم للجميع؟
وفي يوم المرأة العالمي علينا كوطنيين ومواطنين سوريين ألاَّ ننسى نساء سورية اللواتي قدَّمن، وما زلنا يقدّمنّ التضحيات والشهداء في ظل أزمة سوداوية طحنت النساء والرجال والكبار والصغار، ويقفن (أُمَّهات وفتيات وطالبات مدارس وجامعات) في الصفوف الأمامية إلى جانب القوات المسلحة، وجميع المدافعين عن السيادة الكاملة والحرية والكرامة وضد العنف والتمييز والسبي والطائفية والإرهاب، وأي تدخل خارجي وتحالف دولي- إقليمي – خليجي- إرهابي.
لقد مرَّ على أول احتفال بيوم المرأة العالمي 105 أعوام (1910 – 2015). وجاءت فكرة الاحتفال من الإضرابات التي قامت بها العاملات في صناعة النسيج في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة في عامي 1857 و 1909 وصادفت يوم الثامن من آذار احتجاجاً على ظروف عملهنَّ السيئة. وتكررت الاحتفالات وبدأ يترسخ هذا التقليد وتنضم إليه كل عام دول أخرى ويقوم الرجال (الديمقراطيون) بتكريم زوجاتهم وأمهاتهم وصديقاتهم وزملائهم بالزهور وتقديم الهدايا البسيطة بهذه المناسبة الدولية.
ولم يكن العالم العربي بعيداً عن ما يجري في العالم رغم التخلف ومحاولة الاستعمار طيلة قرون دون توقف بناء سور لعزله وإبقائه خلف رتل التقدم. وقد شهد العالم العربي في مطلع القرن العشرين معركة فكرية شديدة التداعيات فجَّرها قاسم أمين (1863 – 1908) بكتابه الشهير الصادر عام 1899 بعنوان (تحرير المرأة)، وكتابه الثاني بعنوان (المرأة الجديدة) عام 1900.
أحدث هذان الكتابان ضجّة كبرى في المجتمع المصري والمجتمعات الشرقية. وقد وصف الدكتور غالي شكري هذه المعركة (بضجّة عاتية). وصدرت كُتب ردَّت على قاسم أمين، ومن أبرزها كتاب (الدفع المتين في الرد على حضرة قاسم أمين) عام 1899. وكتاب (الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس) عام 1899. ولاقى كتاب (امرأتنا في الشريعة والحياة) للباحث التونسي الطاهر الحداد، نقداً عنيفاً من رجال الدين وطالبوا بتجريده من حقوقه المدنية، وسحب شهادته ومنعه من العمل وتكفيره.. وعندما توفي لم يخرج بجنازته سوى بضعة أشخاص.
تتحدث لغة الأرقام بأن أكثر من 50 في المئة من النساء العربيات أميات ولا يشاركن في الاقتصاد الوطني، وفي الإنتاج تصل النسبة إلى20 في المئة.. ولا تزيد نسبة مشاركتهنَّ في المجالس المحلية والتشريعية عن 10 في المئة.
ويشكل اليوم العالمي للمرأة فرصة للاعتراف بمطالبهنَّ وتنفيذها على أرض الواقع، والاحتفال بالإنجازات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للنساء، كما أنه فرصة لتسليط الضوء على جميع المشاكل التي تعترض النساء نتيجة الظلم الاجتماعي وغياب المساواة بين النساء والرجال في المجتمعات الذكورية.. فتحية وألف تحية للمناضلات وشهيدات المعارك الطبقية والسياسية في سورية والعالم..!