«بيغيدا».. الوجه الآخر للتطرف

أواخر عام 2014 فرضت حركة (بيغيدا) التي تعني (أوربيون وطنيون ضد أسلمة الغرب) نفسها على المشهد السياسي في ألمانيا، وبدأت تتمدد تدريجياً لتلقى قبولاً لدى الرأي العام في أوربا. الأمر الذي أدى إلى دق ناقوس الخطر في المجتمعات الغربية خوفاً من موجة جديدة من التطرف العنصري قد تكون أشد خطراً في النازية التي دمرت أوربا أواسط القرن الماضي.

وقد عزا بعض المراقبين أسباب تمدد هذه الظاهرة إلى سببين رئيسيين:

الأول وحشية تنظيم (الدولة الإسلامية) غير المحدودة في العراق وسورية، هي من أسباب تنامي الخوف من الإسلام. فقد بدأ المواطن الأوربي يشعر بالخوف وفقد قدرته على التمييز بين الإسلام ومن يستغله لتحقيق مآرب أخرى. إضافة إلى نشر الصحافة الغربية لتقارير عديدة تحذر من عودة جهاديين أوربيين من العراق وسورية وإمكانية قيامهم بعمليات إرهابية داخل الاتحاد الأوربي.

الثاني الشعور بالخوف من المستقبل لدى المواطن الأوربي والخشية من تدهور وضعه اجتماعي في حال فقدان وظيفته، بسبب منافسة العمالة الوافدة من الدول الإسلامية ومنطقة الشرق الأوسط. لذلك يرى الخبراء الغربيون أن حركة (بيغيدا) ظاهرة تهدد الأمن الاجتماعي في بلدان الاتحاد الأوربي، لكنهم يعربون عن تفاؤلهم، لعدم وجود تأييد لها من الأحزاب الرئيسية في تلك البلدان. ذلك أن معظم مؤيدي هذه الحركة هم من فئة المواطنين المنتمين إلى الطبقة الوسطى وطبقة العمال المهرة مع بعضة أفراد من أعضاء الجزء الأعلى من الطبقة الوسطى.

حركة (بيغيدا) جاءت تتويجاً لظاهرة الإسلاموفوبيا التي كثر التداول بها في العقدين الأخيرين في الغرب، وهي تقدم الإسلام مصدراً لكل الشرور والعنف في العالم، ويحمل هذا التصور اليمينيون المتطرفون، والعنصريون. وسواء عن وعي أو دون وعي فقد ملأت الإسلاموية الفراغ السياسي الذي نشأ في العقود الأخيرة بعد انهيار النظام العالمي الثنائي القطبية لكي يشكل النقيض (للغرب المتحضر الحر) وبعد أن كان العدو هو الشيوعية الحمراء أصبح العدو هو الإسلام الأخضر.

اللافت للنظر أن المتطرفين الإسلاميين واليمين المتطرف في الغرب تقوم بينهما علاقة تبادلية، ذلك أن كلا العقيدتين التي يحملانها تستفيد من نقيضتها وتضفي علي نفسها الشرعية مبررة وجودها بتهديد المعسكر الآخر الذي هو العدو الذي يجب تدميره. فالعالم كله يعادي الإسلام، ولهذا لا بد من الجهاد من أجل قيام الدولة الإسلامية، كما أن الخطر الإسلاموي يهدد العالم بأسره فلا بد من حشد قوى العالم الحر لدرء خطر المد الإسلامي والإرهاب. وكلاهما يتشاركان فكرة الإسلام (الجوهري أو المطلق) غير القابل للتغيير. فلا يرى الإسلامويون المتشددون أنفسهم لاعبين اجتماعيين قابلين للتكيف مع السياقات التاريخية المتغيرة، بل يرون أنفسهم مفوضين لتنفيذ معتقدات تعسفية لا بيّنة عليها، بينما يرى النازيون الجدد أنفسهم رأس الحربة في الدفاع عن العالم الحر.

الأصابع الإسرائيلية، عن طريق الإعلام الموجه من قبل الصهيونية العالمية، واضحة في تأليب الرأي العام الأوربي والأمريكي على الإسلام والمسلمين في البلدان التي يعيشون فيها، وساعد في ذلك الفكر الذي حمله بعض المتأسلمين، الذين لا يعرفون من الإسلام وتعاليمه إلا التطرف الأعمى الذي يقود إلى نفي الآخر وقتله، وكان أبرز تجلياته (داعش) وأفعالها التي شاهدها الملايين من البشر في شتى أصقاع العالم، بمن فيهم ممن يعيشون في أوساطهم، كما حدث مع المتطرف أبو حمزة المصري، الذي دعا قبل سنوات عدة إلى قتل الجنود البريطانيين في الخارج، بينما كان يعيش في بريطانيا ويدير مسجداً ويلقي فيه خطباً عالية النقد ضد البلد الذي كان يحتضنه وينفق عليه وعلى عائلته من ضرائب مواطنيه الذين يطالب بقتلهم .

إذاً، كلنا نفهم الدور (الإسرائيلي) في تأليب الرأي العام في أوربا والعالم ضد الإسلام والمسلمين، إلا أن السؤال الأساسي يتمحور حول الدور الذي يلعبه المسلمون أنفسهم في تقديم دينهم بشكل مختلف عن الصورة النمطية التي ترسخت في فكر العالم، فمن الواضح أن هناك قصوراً في هذا الأمر، مما يساعد في بروز حركات متطرفة معادية للإسلام، كحركة (بيغيدا) وغيرها، ولا يكفي الرد على هذه الحركة وغيرها بكلام تنظيري، بل باتخاذ إجراءات وتصحيح مفاهيم تعيد للإسلام صورته الصحيحة وتقدمه فاعلاً أساسياً في تطوير الحضارة البشرية، وتعيد له وجهه المشرق والإنساني الذي اختطفه حفنة من المتطرفين.

العدد 1195 - 23/04/2026