الصنعة والطبع
يذهب بعض الدارسين إلى تقسيم الشعر إلى: شعر مطبوع يعتمد العفوية والسليقة والبداهة، وآخر مصنوع، لا يأتي عفو الخاطر وإنما يحتاج إلى إجهاد وإعمال للعقل واستحضار مكثف للتجربة الثقافية والمعرفية للشاعر، إضافة إلى العناية بحسن الصياغة، والاهتمام بالكثافة النوعية والتركيز، وبراعة التصوير، والاختيار الدقيق للمفردات التي تتناسب مع المعاني التي تحملها، وبلغة الحداثة هو تفجير العلاقة بين الدال والمدلول.
هذه الثنائية: العفوية (الطبع) الصنعة (الدربة) تبتعد عن جوهر التجربة الشعرية، وهي محاولة للتوصيف أكثر منها دخول إلى عوالم الإبداع الشعري، قديماً وحديثاً، لأن الشعر طبع مصنوع وصنعة مطبوعة.
فمن يذهب إلى العفوية في الشعر يستشهد بالشعر الجاهلي، معتقداً بأنه يصدر عن طبع وسليقة وعفوية وتلقائية. هذا الزعم يبتعد عن الحقيقة، فلا يمكن تصور النابغة الذبياني مثلاً، يقول قصائده عفو الخاطر دون تأمل وتفكير ومعاناة للخلق الفني. ومرجعية من ذهب في هذا الاتجاه تعتمد على فكرة مغلوطة أصلاً، مفادها أن الشعر الجاهلي شعر شفوي، أي لم يكن مكتوباً، والمشافهة تستدعي الارتجال والعفوية وسرعة البديهة، وهذا ما لا يستقيم للعقل. فحوليات زهير بن أبي سلمى حكيم الجاهلية، لا يمكن أن تكون إلا مكتوبة، وقد عرف عنه التدقيق والعناية الفائقة بالصياغة، حتى قيل عنه: الشاعر المحكِّك. وجُلُّ شعراء الجاهلية لا يقلون عن زهير عناية بأشعارهم.
موهبة الشاعر الجاهلي وغنى تجربته ومهارة صنعته، أهلته ليقول شعراً يوحي بأنه مطبوع وعفوي، إلا أنه من شدة إتقانه يبدو للمتلقي وكأنه قيل دون جهد أو معاناة، ويصح عليه، أن الصنعة فيه تختفي تحت ستار.
مع ازدياد انتشار الكتابة وتطور عملية المثاقفة، وبفعل ازدهار الترجمة ودخول الفلسفة حقل الشعر، خاصة في العصر العباسي الذي يمثل لحظة تاريخية من أبهى عصور العرب الثقافية، إذ تلاقحت فيه الثقافات الفارسية واليونانية والهندية وصبَّت في محيط الثقافة العربية الإسلامية الزاخر، إن هذا التنوع الثقافي دشن عصراً جديداً في تكوّن الثقافة العربية الإسلامية التي أعادت إنتاج الثقافات السابقة عليها، والمعاصرة لها، فأعطت هذا الإنتاج الأدبي الفلسفي الفكري المتعدد الغنى.
جاء شعر أبي تمام تحولاً نوعياً في التجربة الشعرية العربية مؤسَّساً على من سبقه كمسلم بن الوليد وبشار وأبي نواس، أكثر المتمردين على شكل القصيدة العربية ومحتواها. وقد أصبح مذهب أبي تمام رمزاً للصنعة بل التصنع في كتابة الشعر، حتى قيل له: لماذا تقول ما لا يفهم؟ فأجابهم: ولماذا لا تفهمون ما يقال؟! وفي الإجابة الذكية تعبير عن المسافة الحادة بين المبدع والمتلقي.
لا يمكن للشعر إلا أن يكون مصنوعاً ونتاج تجربة عميقة وثقافة غنية ومرجعية فلسفية فكرية، ومخاض إبداعي، وما العفوية إلا وهم، إلا إذا فهمنا العفوية على أنها بعد عن الغرابة والتعقيد والغموض المتعمد، وهذا بمجموعه بعيد عن طبيعة الشعر.. لأن بعض الغموض مطلوب ومحبب فيه، هذا الغموض الواضح الذي لا يقوم على المعاضلة في الصورة والألفاظ بقصد إيهام المتلقي وخداعه.
الشعر موهبة وثقافة وتجربة وجهد، وما يبدو فيه من عفوية مخادعة ليس إلا دليلاً على المهارة وإتقانٍ فائقٍ للصنعة، وهو بذلك أبعد ما يكون عن العفوية المزعومة والسهولة المبتذلة والارتجال المبسط، فالاستسهال من أبرز الأخطار المحيطة بالتجربة الشعرية، كما أنه خطر يهدد كل المواقف والقرارات التي يتخذها الإنسان في اللحظات المصيرية من حياته، وحياة مجتمعه، ويتعاظم هذا الخطر بمقدار صعود الإنسان سلم المسؤولية الفكرية والسياسية والاجتماعية.