ثقافة السريان في القرون الوسطى شيّدوا المدارس قبل الكنائس

تبحث المستشرقة الروسية نينا بيغو ليفسكايا، في كتابها المعنون ب (ثقافة السريان في القرون الوسطى) بترجمة الدكتور خلف الجراد، في تاريخ الثقافة السريانية في بلاد المشرق، وما كان للغة السريانية والعلوم والآداب التي كتبت بها أو ترجمت إليها ثم نقلت منها إلى لغات أخرى، من دور تنويري وحضاري للشعوب الناطقة بتلك اللغة والشعوب المجاورة أيضاً من فُرس وبيزنطيين وعرب .

 

لم يكتف السريان بالمدارس المهمة التي أقاموها لنشر ثقافتهم ولغتهم، بل كانت أديرتهم أيضاً أشبه بكليات وجامعات تدرس فيها  إضافة إلى العلوم الدينية  العلوم المدنية والآداب واللغات والفلسفة، كما يكتب البطريرك زكا الأول عيواض، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس في تقديمه للكتاب، قائلاً: إن السريان كانوا يشيِّدون المدارس قبل الكنائس.

كان حضور الثقافة السريانية سابقاً لظهور السيد المسيح ووصول الديانة المسيحية إليهم واعتناقها من قبلهم. وكانت هذه الثقافة سبباً لانتشار لغتهم في العالم المتمدن ابتداءً من القرن السابع قبل الميلاد حتى نهاية القرن الثامن الميلادي، ففرضت نفسها على شعوب العالم القديم من فرس ويونان وعرب ومغول بقوة الفكر لا بفكر القوة.

كانت القوتان الرئيسيتان في المنطقة حينذاك هما الدولة البيزنطية وإيران الساسانية. وفي النصف الأخير من الألف الثاني قبل الميلاد غادرت أعداد كبيرة من القبائل الآرامية شبه الجزيرة العربية وبواديها باتجاه الأراضي الزراعية الخصبة في سورية وفلسطين وآسيا الصغرى وشمالي بلاد ما بين النهرين، فوجدت نفسها وسط مناطق متحضرة وشعوب متطورة اقتصادياً وثقافياً، تتكلم بلغات سامية شقيقة وقريبة جداً إلى اللغة الآرامية. فتعرضت هذه القبائل لتأثير ثقافي ولغوي كبيرين، وأثرت هي أيضاً على سكان تلك المناطق. إلى أن أصبحت بلاد ما بين النهرين في أواسط القرن العاشر قبل الميلاد تتكلم الآرامية، فيما بقي الآراميون كما كانوا أساساً بلا تنظيم أو دولة سياسية موحدة.

في هذه الظروف بقيت الثقافة هي العنصر الأساسي الذي وحد السريان وميزهم عن الشعوب المجاورة. وساعد انتشار الدعوة المسيحية التي استخدمت الآرامية الشرقية (السريانية) في مواعظها في جعل هذه اللغة لغة الدين والآداب المسيحية المختلفة أيضاً.

يتضمن الكتاب عدة مقدمات لكل من البطريرك زكا الأول عيواض، ومطران جبل لبنان ثاوفيلوس جورج صليبا، والمترجم الدكتور خلف الجراد، والهيئة السوفييتية الناشرة للكتاب التي ضمت عدداً من الأكاديميين والمستشرقين الروس، ثم تمهيد لمواضيع الكتاب تبين فيه عوامل ومقومات الدور التاريخي للثقافة السريانية في بلاد المشرق، وخاصة العلاقات الاقتصادية التي أوصلت الثقافة السريانية إلى أصقاع بعيدة في أوربا والصين.

الفصل الأول الذي يحتل الجزء الأكبر من الكتاب (190 صفحة) يحمل عنوان (التعليم السرياني في القرون الوسطى  العلوم عند السريان)، تربط فيها الباحثة ازدهار الثقافة السريانية في القرون الوسطى بفعالية حياة مدن الشرق الأدنى، إذ تتجلى إحدى خصوصيات الإقطاعية الشرقية في المحافظة على العلاقات السلعية  النقدية في الشرق. ويعود استخدام اللغة السريانية كلغة عالمية حينذاك إلى الوضع الجغرافي للسريان المتوسط بين بيزنطة وفارس، وعلاقة الإمبراطوريتين مع قبائل الجزيرة العربية.

إضافة إلى أن اللغة السريانية شكلت الحلقة الرابطة التي سمحت للشرقين الأدنى والأوسط بامتلاك منجزات العلم اليوناني. لكن يبقى مهد السريانية وموطن مجدها وازدهارها بلاد ما بين النهرين.

وتعرض الباحثة شواهد عن نماذج الكتابة السريانية التي عثرت عليها الحفريات الأثرية، وأنواع الخط المستخدمة فيها لتتبع التطور المتوازي في اتجاهين: الكتابة التقليدية التي تركزت بالنهاية في القرن النسطوري الشرقي، والكتابة المونوفيزية  اليعقوبية في المناطق الغربية التي اتجهت أكثر إلى العلوم الدنيوية (اجتماع  اقتصاد  قانون).

وتشير إلى أن الأدب السرياني المتكوِّن في القرون الأولى لما بعد ظهور المسيحية يعكس تنامي الأسس الفلسفية المبثوثة من الماضي من جهة مع عناصر الفلسفة اليونانية القديمة من جهة أخرى. فإذا كانت الفلسفة العملية التربوية والفلسفة الغنوصية وأدب الشرح والتأويل ثمار الحكمة الهلنستية التي لا تقل مساهمة مدرسة الإسكندرية فيها عن مساهمة أثينا، فإن دراسة المنطق الصوري، وتحليل النصوص وتفسير التراكيب الذهنية، جاءت على أساس فلسفة أرسطو التي اختص بها علماء إنطاكية.

وتتوقف عند وثيقتين هامتين: رسالة مارا بن سيرابيون، وهي حكم أطلقها كاتبها الأسير لدى الرومان لابنه، وكتاب أحيقار المصنف في الفلسفة العملية. وكاتبها أحيقار كان مستشاراً لسنحريب ملك أشور ونينوى (704  671 ق م) ثم لابنه سرحدون، وهو يتألف من 142حكمة حافلة بالمرارة والحسرة والتأمل.

وفي بحثها عن المدرسة السريانية في القرون الوسطى تشير إلى مدرسة نصيبين، التي أطلق عليها لقب أم العلماء، ومؤسسها مار نرساي المتوفَّي عام 502م، مؤكدة انه كانت هناك سلسلة منظمة من التعليم الابتدائي تدرس فيها الكتب المقدسة وتفسيراتها،  كان لا بد من اجتيازها قبل الانتقال إلى حلقات دراسية أعلى.

المدرسة السريانية العليا هي جامعة القرون الوسطى التي عرفتها بيزنطة والغرب اللاتيني، وكانت هناك أنظمة داخلية وقوانين لتلك المدارس، وصل منها إلينا ما يخص أكاديمية نصيبين، وهي تجسد أقدم نظام داخلي لجامعات القرون الوسطى.

كما احتلت مدينة الرها (أورفة الحالية) مركزاً علمياً وثقافياً سريانياً هاماً إلى جانب نصيبين وإنطاكية والإسكندرية.

وكانت المواد الدراسية ترتكز على أسفار العهدين القديم والجديد في السنوات الاولى،  ثم تليها العلوم الدنيوية، وخاصة العلوم الفلسفية.

وتستعرض قواعد المدرسة المقدسة في مدينة نصيبين في نصوص مترجمة عن السريانية، وهو في صيغة بيان بين المؤسسين يشكل قواعد عمل ومبادئ للتفكير والتصرف والتعليم .

وكانت القواعد الموضوعة في مجموعتين: الأولى خمس وعشرون قاعدة تتضمن تنظيم العملية التعليمية وعلاقة الدارسين بالإدارة والمدرسين والوسط الاجتماعي. أما المجموعة الثانية فتتضمن إحدى وعشرين قاعدة تنظم الحياة الداخلية للمدارس.

علوم السريان

بسبب مرونتها وتطورها صارت السريانية لغة عالمية على مدى قرون، وكانت قريبة من العربية ولغة إيران الساسانية أيضاً. وقد كتبت وترجمت بهذه اللغة مختلف الكتب العلمية والأدبية واللاهوتية، بدءاً من مؤلفات أرسطو، وصولاً إلى حكايات كليلة ودمنة والعلوم والفلسفة اليونانية.

وتستفيض الباحثة في تبيان تطور وميزات الكتابة السريانية، فالكتابة النسطورية قريبة من خط النسخ اليدوي السرياني القديم المقتصر على أصوات لينة (حركات المد) من خلال وضع نقاط فوق الأحرف أو تحتها، في حين تتميز الأحرف بخطوط وحركات معقدة.

أما الكتابة المونوفيزية فكانت تتم بالأحرف اليونانية، وهي أكثر بساطة من الأولى. ومن خلال الخط يمكن تحديد عائدية المخطوطة إلى المذهب النسطوري أو المونوفيزي (اليعقوبي).

أما المندائيون(ديانة قديمة في العراق)  فقد كتبوا بصيغة أكثر قدماً من السريانيين وأقرب للآرامية القديمة. وهناك صيغة أخرى تطورت عنها بعض الكتابة الفارسية في إيران، لكن بعض الألفاظ الآرامية بقيت تستخدم في إيران حتى انتشار الإسلام وتغلغل الكتابة العربية.

كما انتشرت اللغة اليونانية في آسيا الصغرى، وأصبحت إنطاكية مركز إشعاع للتبادل الفكري والحضاري بين الثقافتين اليونانية والسريانية.

ومن أشهر الشخصيات الثقافية السريانية التي كان لها ريادة استيعاب الفلسفة اليونانية، ووضعها في خدمة عقيدتهم، الفيلسوف والشاعر السرياني الأشهر برديصان  (154  222م) الذي ألف كتبا عديدة لم يبق منها غير كتاب (شرائع البلدان).

كما يدين السريان بكثير من شروح الكتاب المقدس إلى مصنفات العالم الفارسي فرهاد (أفرهاط وفق التسمية السريانية) الذي وضع اثنين وعشرين تفسيراً وتوضيحاً أو موعظة، بعدد أحرف الأبجدية السريانية.

أما مار أفرام السرياني (نبي السريان) فهو رائد (أيديولوجيا التنسك) التي شاعت في القرن الرابع للميلاد، لم يأكل سوى خبز الشعير والبقول المجففة، ولم يشرب سوى الماء. أما مؤلفاته في شتى ميادين المعرفة فهي أكثر من أن تحصى.

كما ترجمت أمهات الكتب في الفلسفة اليونانية كما أسلفنا، وأصبحت أفكار أساطين هذه الفلسفة (أرسطو، إيساغوجي، برفيريوس، . . . .) بمتناول الدارسين باللغة السريانية بفضل حركة الترجمة هذه.

ونشطت حركة الترجمة والتأليف، فبرز علماء وباحثون في الطب (سرجيوس الراسعني) والكيمياء (حنين بن إسحاق) والفلك (ساويرا سابوخت).

الفصل الثاني تخصصه الباحثة للعلاقة التاريخية بين الإمبراطورية الإيرانية والسريان، وهي علاقة شهدت الكثير من المد والجزر، والاضطهاد والانفراج، وأخيراً فإن السريان فرضوا، بثقافتهم وإتقانهم للعلوم والحرف، أنفسهم على الإمبراطورية الإيرانية، وصاروا شركاء في بناء حضارتهم، ولعبوا عبر الكنيسة السريانية والبعد الثقافي والاقتصادي دور الوسيط بين الدولتين العظميين فارس وبيزنطة.

لن نستطيع في هذه العجالة إيفاء هذا البحث الأكاديمي حقه من العرض والتوضيح، لكنها مجرد إشارات إلى المواضيع الهامة والجديدة التي يتضمنها هذا الكتاب.

العدد 1195 - 23/04/2026