استراتيجية الديمقراطية والتوسع الديمقراطي

نبت الشيب (الأحمر) في رؤوس الشعوب العربية وشعوب العالم، وهي تقرأ في عيون السادة الإمبرياليين عناوين الديمقراطية، منذ أن نسجت أول خيط في ثوبها وبنت عرشها على جماجم السكان الأصليين.

رحم الله الإغريق الذين حملوا في عقولهم هموم الديمقراطية، ودوَّنوا في سجلاَّتهم هذا المصطلح اللاتيني بشقّيه، وعرَّفوا العالم على دلالته السياسية آنذاك، وكيف طبّقت الديمقراطية في المدن اليونانية خاصة في أثينا.

إنَّ الولايات المتحدة الأمريكية التي زرعت الحقد والطائفية بين الشعوب، تخلَّت (ربما مؤقَتاً) عن استراتيجية الاحتلال المباشر للدول بعد تجربة مُرَّة أذاقتها آلاماً كثيرة كما في العراق وأفغانستان، وعدم تحقيق بعض أهدافها التحالفية لتفتيت المنطقة وتقسيمها إلى إثنيات وطوائف، وبدأت (نهجاً استراتيجياً) جديداً اعتمدت فيه على الدراسات والبحوث والتجسس، وشكَّلت مراكز هامة لتحقيق أهدافها القريبة والبعيدة.. وبنت عروش مستقبلها وشغَّلت عقول المفكرين للتنفيذ واستنزاف الدول الخليجية وكسب مليارات الدولارات بذريعة حمايتها من الخطر الإيراني. فالاستراتيجية الجديدة ذات محتوى غير مباشر وغير فاعل على الأرض، بل العملاء في (الداخل والخارج) هم من ينفذ سياستها في الشرق الأوسط، أي إعطاء (توكيل) للثلاثي الرجعي (السعودية وقطر وتركيا) والثقة المنجزة منذ عقود لابنتها المدللة (إسرائيل).

إذا قمنا بمراجعة للتاريخ القريب (بعد الحرب العالمية الثانية)، نقرأ في صفحاته كيف قامت السياسة الأمريكية على ثلاث ركائز أو (ثوابت):

1 – احتواء النفوذ السوفييتي.

2 – ضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكري.

3 – حماية المصالح الأمريكية في المنطقة.

وحدث التحوّل الكبير بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، فظهر رأي أمريكي يركز على ضرورة ترسيخ دعائم المؤسسات الدولية، ومن أبرزها: (الديمقراطية حسب الرؤية الأمريكية.. صدام الحضارات.. سياسة احتواء منطقة الشرق الأوسط ..الحرب من أجل إسرائيل.. المستنقع العراقي .. وغيرها).

وأصبح معروفاً أن فرنسيس فوكوياما مؤلف كتاب (نهاية التاريخ)، دعا فيه إلى تحقيق الديمقراطية الليبرالية. ويرى أن الديمقراطية تمنع العدوان من جهة، وأن الانتقال إلى الديمقراطية هو مصدر استقرار في النظام العالمي وضمان الأمن القومي الأمريكي من جهة ثانية.

وأطلق (أنطوني لابك) نظرية (التوسع الديمقراطي)، وقدَّم اقتراحاً برسم خريطة (جيو اقتصادية) مفادها الاستعاضة عن مبدأ الاحتواء بمبدأ التوسع الديمقراطي.

وكان التطور الأبرز في عام 1983 إذ شهد هذا العام تأسيس (الصندوق الدولي للديمقراطية) وحُددت له المهام التالية:

1- دعم التوجهات الديمقراطية في الدول الشيوعية والعالم الثالث.

2- الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

وتلا ذلك تركيز كلينتون على سياسة التوسع الديمقراطي في عام 1993 على أساس ربط التحرر السياسي بالاقتصادي.

وجاءت مبادرة المشاركة مع دول الشرق الأوسط لكولين باول عام 2002 بهدف إصلاح الشرق الأوسط وركزت على (الفجوة الديمقراطية في العالم العربي) التي تستند إلى ثلاث ركائز هي:

1 – الاشتراك مع القطاعين الخاص والعام لسد فجوات الوظائف بإصلاح اقتصادي واستثمار للأعمال وتنمية القطاع الخاص.

2 -الاشتراك مع قادة المجتمع المدني لسد فجوة الحرية، بمشاريع لتقوية المجتمع المدني وتوسيع المشاركة السياسية وتمكين المرأة.

3 – العمل على سد فجوة المعرفة بمدارس أفضل ومزيد من فرص التعليم العالي.

إن الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاءها هم الذي صنعوا الإرهاب وصدّروه إلى المنطقة.. وهم الذين أسسوا التحالف الدولي والإقليمي كي يستكملوا تنفيذ مشاريعهم الاستثمارية وسرقة نفط الخليج وإعطاء الأمان والاستقرار للرجعية.

هذه هي سياسة الولايات المتحدة منذ أن داست أقدام الأوائل منهم أرضها.. وسمَّدوها بدماء السكان الأصليين.. وعمَّروها بجماجمهم.. هذا هو مشروعها المؤسس على (الانتقال من الديمقراطية إلى مرحلة توسيع الديمقراطية).

العدد 1195 - 23/04/2026