القصة القصيرة جداً… قصيدة الومضة.. علاقة التشابه والاختلاف

كثر الحديث بشأن تلك العلاقة التي أخذت تربط بين القصة القصيرة جداً وقصيدة الومضة، سواء في التشابه أو الاختلاف. فاستعارة أي منهما مهم لتقنيات الأخرى جعل الأمر يبدو مربكاً للنقاد. بل بدا وكأنه محاولة جادة لاستلاب هوية كل منهما للآخر، سواء لجهة التصنيف الأدبي أم لجهة ميزات صنف دون آخر. فإذا كانت القصة القصيرة جداً تعتمد أساساً على آليات القص، إلا أنها أخذت تعتمد على مركزيتها الداخلية وزمنها النفسي، وتتابع تفصيلات محددة وتلاحقها. وهو أمر كانت قصيدة الومضة قد مشت عليه طويلاً. وهنا علينا الاعتراف بداية أن استسهالها كتابة كل من قصيدة الومضة والقصة القصيرة جداً جعل أمر التصنيف الأدبي متداخلاً، لا بل يقتصر في أحيان كثيرة على الشكل. فالقاص المدرك تماماً لتقاطع فضاءات القصة القصيرة جداً مع فضاءات قصيدة النثر، يتجاوز تبرير الوجود ومحاولة إقناع المتلقي بثبوت راهينيتها وفعاليتها ضمن منظومة تشير إلى التجديد والتغيير، وهنا يلعب الإبداع دوره المهم في محاولة إثبات الوجود.

الأمر الآخر الذي يمكن أن نشير إليه أن قصيدة الومضة تطورت وأخذت شكلاً أدبياً مستقراً ومنتظماً. ويمكن أن يحاولها فقط كاتبٌ مشبع تماماً بفهم هذا الاستقرار والرسوخ. وأن القصة القصيرة جداً ما زالت تمارس وجودها على نحو متذبذب. وهذه إحدى الصعوبات التي واجهت النقاد أثناء محاولتهم الاقتراب من معاييرها وخصائصها الفنية، كما أكد الناقد العراقي جاسم خلف إلياس.

فما يزيد العلاقة اشتباكاً بين القصة والقصيدة هو استمرار اللعب اللغوي بوصفه عنصراً مهماً في كتابة القصة القصيرة بفتنة اللغة المجازية التي تجمع بين شاعرية القص والقيمة الجمالية، لدرجة أن البعض سمى هذا الشكل بالأقصودة، لما يظهر من تماس يصل إلى حد المطابقة مع قصيدة الومضة والهايكو خاصة.

أما استخدام القصة القصيرة جداً إلى التكثيف والإيماض والتوقيع والمفارقة، كمسارات تتكئ عليها في الكتابة القصيرة جداً سواء انتمت إلى الأنواع النثرية أو الشعرية، ولكن باعتقادي أن القصة تبقى قصة، والشعر هو الشعر، وكلاهما لا بد أن يختلف عن الآخر في طرائقه. وعندما تختلط فلا شك أننا سنحصل على شيء مختلف عنهما كليهما.

لعل أهم ما يميز القصة القصيرة جداً عن القصيدة الومضة هو البناء التركيبي لكل منهما، فلا مجال للمقارنة بين شاعرية قصيدة الومضة وبينها في السرد. فما يميز السرد هو السردية، أي مقدار ما يجعل السرد سرداً. وبكلمة أوضح المكونات السردية التي تجعل من القص سرداً، وما يميز الشعر هو الشعرية وعوالمها المشغولة بعناية. علماً أن هناك قصصاً قصيرة جداً مكتوبة بشاعرية عالية، كما أن هناك قصائد كثيرة مكتوبة بسردية مميزة. والحقيقة أننا مهما كنا مقتنعين بتداخل الأنواع واستعارة آلياتها وتوظيف هذه الاستعارة توظيفاً صحيحاً فلا بد من حد أدنى من المفارقة والفصل. وعليه يمكن القول: لا يمكن أن نعد كل نص يمتلك خاصية الإيجاز والتكثيف والحكاية، على الرغم من محاولة الكثير من كتاب القصة القصيرة جداً تدمير الحكاية بعد أن تخلصوا من الشخصية القصصية التقليدية، الأوصاف، الأفعال الكلامية، الأدوار والمواقف ومنطق الأحداث وزمنية القص قصة قصيرة جداً. وكذلك الأمر لا يمكن أن نعد كل نص يمتلك إيقاعاً داخلياً قصيدة نثر أو ومضة، فما يحدد هوية النص وانتماءه إلى نوع أدبي بعينه، هو مكونات متعددة، بل مجموعة حوافز، بحسب تعبير الشكلاني الروسي توما تشفسكي. فعندما تتوسل تقنيات التكثيف والإيجاز في أي نص بلغة رصينة وحيوية تقف العناصر الأساسية للقص (شخصية، حدث، زمان، مكان ) فارقاً أساسياً في كشف هويته، إذ بدونها لن يكون سوى شعر، على حد تعبير الشاعر الأردني حكمت النوايسة. لكني أعتقد أن القصيدة الومضة تلعب لعبتها السحرية في مسألة التكثيف المتداخلة مع الحالة الداخلية، إذ تلعب المفردات القليلة دورها في خلق حالة التوتر الذي يكثف المعنى ضمن بنية شكلية موجزة، قادرة قدرة هائلة على الإشعاع الدلالي. وهنا يجب التفريق بين التكثيف الخارجي الساذج الذي لا يعدو كونه غطاءً هشاً في حالة القصة القصيرة جداً، وبين التكثيف الهادف إلى توسيع الفضاء الدلالي للجملة الشعرية. وعند المقارنة بين القصة القصيرة جداً كنموذج غير مكتمل، وبين قصيدة الومضة، ككينونة موجودة ومنجزة هي قصيدة الومضة، يجب التفكير بالوظيفتين الرئيسيتين للغة، بحسب د.هايل الطالب، وهما الوظيفة الشعرية والوظيفة المرجعية.

العدد 1195 - 23/04/2026