عودة الأدب الضال

مع بعض الجوائز، التي منحت مؤخراً، لبعض القاصين، منهم السوريان (زكريا تامر وسامر الشمالي)، يرى بعض النقاد، أن ثمة (عودة) لفن القصة القصيرة، وقد أهمل لكثير من الوقت، لا لبعضه، أهمل فقط إعلامياً، وحفاوة، من مهرجانات، وجوائز، ونشر صحفي، وإهمال في المتابعة النقدية، لكنه على أرض الواقع، ربما كان النتاج القصصي، هو الأكثر غزارة، على صعيد صدور المجموعات القصصية، وبتنويعات مختلفة، وتقنيات متعددة، تراوحت بين القصة القصيرة جداً، والقصة المتعارف عليها، وأحياناً القصة الطويلة بعض الشيء، وبين القصة الساخرة، والقصة التي نافست القصيدة في شعريتها وشاعريتها، وفي التكثيف أيضاً. حتى إن ناقداً متابعاً، بل ربما كان الناقد الأكثر متابعة للمشهد القصصي في سورية، وأقصد الناقد نضال الصالح، يحصي صدور أكثر من خمسمئة وتسع وعشرين مجموعة قصصية في عقد التسعينيات فقط، وبحساباته فإن ثمة مجموعة تصدر كل سبعة أيام، ولا أظن أن هذه النسبة تراجعت في العقد الأول من الألفية الثالثة!

رغم هذا الحراك في صدور المجموعات القصصية، غير أن ذلك لم يوازه سوى التهميش حتى من كتاب القصة القصيرة أنفسهم، فالقلة فقط ممن كتب القصة القصيرة، أخلص لها، إذ سرعان ما (يخونونها) في ثلاثة اتجاهات غالباً، الرواية، أو الشعر، أو النقد، ثم باقي الاتجاهات الإبداعية الأخرى، حتى كادت القصة القصيرة أن تكون الميدان الأبرز للتدريب على كتابة الرواية، أو استراحة ما يفش فيها الشاعر أو الروائي (خلقه)، أو هي (كروكي) للرواية، غالباً ما يسقطها الروائيون عند تسجيلهم لتاريخهم الإبداعي. يرى عدد من النقاد أن التهميش الذي طال القصة القصيرة، ربما يعود ل (ربيع) الرواية التي تكاد تختصر المشهد الإبداعي، في إغواء المبدعين والنقاد ودور النشر، وحتى من بقي من القراء، الذي تمثل بكثرة المهرجانات لأجلها، لدرجة أن محافظتين سوريتين (الرقة والحسكة) تقيمان ذات المهرجان لها، مع أن المتأمل سيكتشف أن هذا الربيع الذي تعيشه الرواية ليس أكثر من ربيع زائف. فأين هي اختراقات الرواية العربية، وتجاوزها للأنواع الإبداعية الأخرى..؟!

إذا التهميش الذي طال القصة، جاء في ظل الاحتفاء العام بالرواية، وانصراف المشتغلين في الشعر إلى (معاركهم) المستمرة في صراع الأشكال. مع ذلك فإن أكثر من محافظة سورية، كرّست مهرجاناً أو أكثر للشعر، وصل إلى حد التخصص، كل مهرجان بأحد أشكال القصيدة، مع أن ناقداً مثل فخري صالح يذكر: القصة القصيرة كانت فيما مضى على رأس الأنواع الأدبية، وكانت الصحف والمجلات تتنافس على نشرها ابتداءً من منتصف القرن الماضي، وكان النقاد يتبارون في الكتابة عنها، ومتابعتها، ربما يعود ذلك إلى نشوء القصة السيارة واهتمام الصحف بهذا النوع الأدبي القريب في عوالمه من المادة الصحفية. ثمة اليوم من يراهن على انتقال الحفاوة بالقصة القصيرة، التي تلقاها من مواقع النشر الإلكتروني، وقد أصبح يخصص لها مواقع خاصة بها دون غيرها من باقي الأنواع الأدبية، أن تنتقل تلك الحفاوة من عالم الافتراض إلى أرض الواقع و(ينوبها) ماناب الرواية أو الشعر على أقل تقدير، مادام ثمة إصرار على أن الرواية هي (ديوان العرب)، ومن يستطيع قول غير ذلك؟!

العدد 1195 - 23/04/2026