علي فودة… شاعر أوجعته فلسطين والثورة والأرصفة
ستذكر بيروت دائماً علي فودة، الشاعر الذي أوجعته فلسطين حدَّ الوله، واستنزفته الثورة حد الموت، واستأثرت به الأرصفة حد تقاسم الهموم فوقها بالتساوي والمشتركات البائسة، ومع ذلك فروح الثورة المتوهجة ظلت تسري في عروقه، وشغفه بالوطن ظل دافعه الأسمى لحياة مقاومة ذهبت به بعيداً وعميقاً في نضالاته ورفضه للواقع المأزوم والبائس، وتمرده على كل ما هو سلبي ومهادن، لذا عاش عمره الذي عاشه بين اثنتين لا ثالث لهما: هما الرصاصة والقصيدة، وعبر هذا الثنائي المزدحم بالأرق، وعمق الفاجعة، وضراوة المأساة، كان عليه أن يبحث عن معادلة استكمال تلك الثنائية بثالثة توازن فيه الحياة بين الرصاصة والقصيدة، فكانت أرصفة بيروت قيمة أخرى تضاف إلى مكوّنات شخصية علي فودة، التي تتمثل بالرفض والتحرر والثورة ضد الطبائع المستسلمة للأقدار، والواقعية المنكسرة حد الهوان والفاجعة. لذا فقد اعتبر الرصيف الساحة الأرحب للنضال والحرية دون أي عائق من الآخرين التابعين للحدود والقيود. عاش طائراً طليقاً، حراً، يكتب ما يشاء، ويناضل كيفما يشاء، ويرفض كما يشاء، وحين دفعته حياة التشرد والأرصفة إلى نضالات وكتابات حادة ومغايرة، ابتدع القصيدة والرصاصة وفق تطلعاته، ورؤاه الثورية الحادة جداً، وابتدع كذلك صحيفة (الرصيف) تلك المجلة الثقافية الناقدة للواقع بقسوة، والرافضة للسلبيات كافة، والداعية للمقاومة، والمقاومة فقط، حتى غدت صحيفة المناضلين الثوريين كافة.
لقد عشق علي فودة بيروت لأنها الساحة الأكثر مواجهة من الساحات كافة، والأكثر إحساساً بالنكبة والمأساة، والأكثر شراسة كساحة للنضال والمجابهة، والمنفتحة على العالم كله: هنا تدفع الرصاصة صوتها ليسمعه العالم أجمع، وهنا تدفع القصيدة صوتها لينهض العالم أجمع، وهنا تظهر المتضادات كلها لتجعل الساحة على الدوام قابلة للبركان والانفجار والاشتعال، ليشمل هذا الدوي المتفجر ساحات الدنيا جميعها، ويبقى على حافة انفجار دائم! هذه الإرهاصات جميعها فجرت ثورة الشعر عند الشاعر المقاوم علي فودة، كما فجرت لديه طاقة ثورية كامنة، وعندما آن الأوان تفجرها كانت اندفاعاً خلاّقاً نحو الخلاص والحرية والعودة!
شرارة الشعر عنده ابتدأت بمغنّاه الشهير: (إني اخترتك يا وطني)، التي غناها مرسيل خليفة. شرارة المغناة انطلقت من أحداث بيروت والاجتياح، مع التركيز في البدايات على الأغاني الوطنية الثورية، بالموازاة مع القصائد الوطنية والإنسانية أسوة برفاقه من شعراء فلسطين، وشعراء العروبة عبر النهج نفسه، والروح الثورية ذاتها، والخلفيات التي ما تزال قائمة بين النكبة، ونضالات التحرير والعودة:
إني اخترتك يا وطني
حُبَّاً وَطَواعِيَّهْ
إنّي اخترتُكَ يا وطني
سِرّاً وَعَلانِيّهْ
إِنّي اخترتكَ يا وطني
فليتنكَّرْ لي زَمَني
ما دُمْتَ ستذكرُني
يا وطني الرائع،
يا وطني..
***
هكذا يولد الشعراء من رحم الأرق والألم والثورة، لكنهم يتجاوزون محن الدنيا كلها ليصنعوا لنا شعراً إنسانياً متوهجاً ثائراً هادراً في وجدان الجماهير والأجيال، وكما جاء في سيرة الشاعر علي فودة:
ولد الشاعر علي يوسف فودة في أوائل نيسان من عام 1946م، ثم انتقل إلى الأردن لمتابعة دراسته في معهد المعلمين، وتخرج عام ،1966 ثم عمل مدرساً في الفترة بين عامي 1966 و1970 في ناعور شمال عمان، وبقي في سلك التدريس لغاية عام 1976. بدأ يكتب الشعر وعمله في المقاومة في مراحل مبكرة، وقاتل على أكثر من جبهة، وشعره يتمحور حول قضايا وطنه وشعبه، وقد أصدر خلال حياته الحافلة 5 مجموعات شعرية:
ففي عام 1969 صدرت مجموعته الشعرية الأولى بعنوان: فلسطينيتي كحد السيف في عام 1973 انضم إلى ارابطة الكتاب الأردنين، وفي عام 1976 غادر الشاعر عمان إلى بغداد، إذ وضع هناك أساسيات مجموعته الثانية: منشورات سرية للعشب، ثم بعد ذلك غادر إلى الكويت، في رحلة عابرة منها ليستقرّ به المقام في بيروت شاعراً ومقاوماً، وذلك عام 1976. صدرت له بعد ذلك مجموعة شعرية بعنوان: قصائد من عيون امرأة، عن دار عويدات عام 1976م، وتلتها مجموعة، عواء الذئب، منشورات فلسطين الثورة (م. ت.ف. الإعلام الموحد) عام 1977م.
بعدها صدرت مجموعة الغجري: دار عويدات/ بيروت عام 1981.
كما صدرت له روايتان وأعمال أخرى كثيرة، وافته المنية في بيروت خلال الاجتياح الغادر يوم 20/8/،1982 بعد أن أصابته شظية قاتلة، أنهت حياته الحافلة بالنضال والشعر المقاوم وهو على مسرح الأحداث مقاوماً وشاعراً، وحالماً بالعودة إلى فلسطين، التي ظلت مغناه الخالد على امتداد الزمان:
أريحا بقلبي ويافا
وكنا نحن ولو مرة لانتصارْ
ولكنني..
ترمّلتُ هذا النهارْ
فهذا الذي أشعلَ النارَ،
ها هُوَ أطفأها..،
وَمَضى في الغُبارْ!
***
هذا جزء من نزف جارح وعاتب وثائر، ينزفه الشاعر من جرح فاض من الأعماق، فاستنبت تلك القصيدة النازفة الجارحة!
هكذا هو شعر الشاعر جميعه، فهو حلقة من حلقات شعراء فلسطين، والعروبة، الذين خرجوا من مراثي النكبة والبكائيات والقصائد الجماهيرية المدوية والحماسية إلى الشعر الوطني والإنساني، إنهم، أي شعراء تلك المرحلة والمراحل التالية، ربّوا الأجيال على خبز الثأر والعودة، وشعراء الأجيال بقصائد حفرت مجراها الملتهب في وجدان الجماهير، وأسماع الدنيا. وكأي شاعر فإن مطلع قصيدة علي فودة كأغلب الشعر الفلسطيني يتوجه في البداية إلى: الأرض/ الأنثى/ الوطن/ القدر المحتم: أريحا ويافا وهكذا، ثم تتجه القصيدة بعد ذلك إلى الموضوعات الأخرى. في الجزء الثاني من المقطع يكشف الشاعر بحدة تواطؤ الذين خانوا قضاياهم، وباعوها بأبخس الأثمان فأطفؤوا شعلة الثورة، ومضوا عابرين كالغبار، وما من أمة تبيع في الدهر شرف عرضها وأرضها وترابها الوطني، ولكن الأشباه يبيعون أمهاتهم في سوق النخاسة، وهم يضحكون ضحكة الذل، والهوان!
أصدر علي فودة مع أصدقائه في بيروت مجلة (رصيف) ،1981 وهي تمثل (ثقافة الهامش والاختلاف، بعيداً عن المؤسسة مؤسسات الثورة). وقد صدرت منها عدة أعداد، قبل أن يختلف مع أصدقائه (الرصيفيين) مرة أخرى، ويواصل إصدارها وحده، على شكل جريدة، بصورة فردية، مستقلة! كم كان حاداً وحراً، وثائراً، ورافضاً، اختار الرصيف لأنه المكان الوحيد الذي يستطيع علي أن يقول فيه، وعليه، كلمته، دون أن يمنعه أحد من قول ما يشاء، وفعل ما يريد!
والشعر بالنسبة لعلي فودة يعني: التمرد والرفض، فقد كان يعتبره موقعاً نضالياً لقول الحق دون تردد، أو وجل، (هو ذلك الفتى الأشيب، الحنطي كلون تراب فلسطين، رفض أن يخفض جناحه، وأصر بشموخ وعناد قريته قنبر وكرمل حيفا المنقوش بعمق على جدار الوعي، وذاكرة حافظة بقوة ما يجب أن يكون عليه أبناء فلسطين والعروبة وشعراؤهم والأجيال المتعاقبة التي حفظت وحافظت على العهد: على أنه أعظم عهد مقدس لأبناء الأرض، وظلت، وتظل أغنيات الوطن، بأبي أنت وأمي، لعلي فودة، نبضة مدوية في الوجدان حتى يتحقق حلم العودة، ونعود، من خلال قدر حتمي لتلك العودة القادمة بقوة اليقين والإيمان، والرصاصة والقصيدة:
وطني.. قلبي يناديك، وصوتي
وأخي في ديرةِ الأغراب
يبكيكَ، وأختي
من عُيون
الموت في تلك البلادْ
من بَوارِ الأرضِ فيها..
من أُناسٍ فقدوا الحِسَّ فباتوا كالجَمادْ
وَطني، أوَّاهُ يا أحلى وَطَنْ
لوْ يُغطّينا لحافٌ واحدٌ يوماً، فننفَى في السريرْ
لَوْ تراني وأراكسْ
أه ما أحلى صِباكْ!
وطني كمْ أنتَ وليِّي يا وطنْ؟!
وأنا كنتُ وما زلتُ وفيَّاً
فأنا كالعهد فيَّا
أبداً ما زلتُ أفديكَ طفلاً، وصبيَّا!