أعودُ إليكٍ.. كأَنّ العمرَ لم يكنْ

(كانت الحياة تبدو رائعة جميلة لو كنّا نولد في سنّ الثمانين، ثم نقترب على مرّ الأعوام من الثامنة عشرة).. هذه الأمنية لمارك توين (الكاتب العصامي الذي عرف بدعابته المحببة وسخريته اللاذعة) ليست على سبيل الدعابة، بل هي أمنية جارحة حزينة، تخفي بين طياتها قلقاً وجودياً وخوفاً مصيرياً.. فالإنسان في النهاية محكومٌ بقوانين ومواجهات أساسية لا يمكن له، بأي حال من الأحوال، أن يهرب أو يتخلص منها.. ومن هذه القوانين والمواجهات: الزمن.. فالإنسان يقف محبطاً وعاجزاً وحزيناً أمام الزمن وحركته المتصاعدة اللانهائية ؛ فمن جهة يقع الزمن خارج دائرة إرادة الإنسان، ومن جهة ثانية لا يستطيع (الإنسان) أن يمتلك الزمن، أو يقبض عليه، أو يوقف حركته، ومن جهة ثالثة في الزمن (وهذه مفارقة كبرى) يذهب كل شيء على مراحل أو دفعات، وفي الموت لا مكان للمراحل والدفعات، فكل شيء يذهب مرة واحدة وإلى الأبد..

من هنا يلجأ الإنسان إلى الخطوط والألوان والأصوات والحركات وألفاظ اللغة ؛ أي إلى الفنون المختلفة، والآداب بأجناسها المتعددة (الرسم  النحت  الحفر  التصوير الضوئي  الموسيقا.. الشعر  الأقصوصة  الرواية  المسرحية  المقالة  الخاطرة..) يلجأ إليها لأنها المجال الحيوي لتدوين ذكرى كينونته المعنوية والجمالية وتأكيدها وترسيخها في لحظة زمنية مضت ولا سبيل إلى استعادتها فعلياً وعملياً.. ويلوذ الإنسان بالفنون والآداب لأنها تمنحه إمكانية امتلاك الزمن نفسياً ووجدانياً من ناحية، و(الانتصار) المعنوي على معضلة الزمن والعدم والانطفاء المادي من ناحية أخرى.

(2)

قبل أن تترجّل شمس عمره، وتدخل غياهب الدجى، وتنام نومتها الأبدية، قال شاعر الهوى والشباب والحبّ والجمال وصبوات النفس، شاعر الإبداعية المنطلقة المتحررة الجذلى.. الأخطل الصغير (بشارة الخوري) وعلى كتفيه وصدره ستة وسبعون قمراً أضاءَتْ سماء الشعر والوطن والإنسان.. ورَفَلَتْ في فضاءات الحب والشوق والوجد والسهر والحلم.. وارتوت من خلجات القلب والروح والفرح والشجن والألم والمعاناة.. قال:

اليومَ أصبحتُ: لا شمسي ولا قمري

من ذا يُغنّي على عودٍ بلا وترِ؟

ما للقوافي إذا جاذبتها نفرت رعتْ

شبابي وخانتني على كِبري!

كأنّها ما ارتوتْ من مدمعي ودمي

ولا غذتها ليالي الوجد والسهرِ..

الأخطل الصغير، الذي كان كلاسيكياً في شكله الشعري، ورومنسياً في عاطفته وخياله، ورمزياً في بعض توصيله الشعري.. انفتح على جمال المرأة وحبّها وفتنتها.. وعلى جمال الطبيعة وبهائها وحسنها وأنسها وطربها.. كما انفتح على جمال الحياة وعشقها ومباهجها ومسراتها.. وتغنّى بكل هذا الجمال ومجّده، ومن ثم خلّد حبه لهذه الأقانيم الجمالية، فأبدع شعراً غنائياً إنسانياً حالماً.. عبر رؤيةٍ ذاتيةٍ عاطفيةٍ مرهفةٍ ومنفعلة.. هذا الشاعر المفتون بالحب والجمال تمرّ به الأيام، وتتوالى عليه السنون، فتذبل زهرة شبابه، ويغمر عمره الرماد، والثلج يغطي رأسه.. فيمضي  في خضمّ الزمن  حلمه وحبه وهواه وشوقه وصبوات نفسه، والجمال الذي كان يملأ دنياه.. ويبقى له الأسى والشجن واللوعة والحسرة والدمعة الحرّى الهتون.. تبقى المرأة والجمال ناراً مشتعلة في عقله وجوارحه.. يبقى القلب المحترق بالذكرى التي لا تبيد:

أنا مذْ أتيتُ النهر آخر ليلة

كانت لنا، ذكّرتهُ إنشادي

وسألته عن ضفتيهِ ألم يزل

لي فيهما أرجوحتي ووسادي

فبكى لي النهرُ الحنون توجّعا

لما رأى هذا الشحوب البادي

ورأى مكان الفاحماتِ بمفرقي

تلك البقية من جُذىً ورمادِ..

(3)

وفي سِفر الأدب العربي التليد نقرأ نَوْحاً ونحيباً وبكاء.. على عمر تقاذفته عوادي الدهر..وعلى شباب أخضر متوّج بالندى والياسمين.. غدا عارياً كما الأشجار في أوج خريفها:

عريتُ من الشباب وكنتُ غضّا

كما يعرى من الورقِ القضيبُ

ونُحتُ على الشباب بدمع عيني

فما نفع البكاءُ ولا النحيبُ

وإلى ذلك ألم يقل أبو تمّام الشاعر الخالد:

ألمْ يأنِ تركي لا عليّ ولا ليا

وعزمي على ما فيه إصلاح حالياً؟

وقد نال منّي الشيبُ وابيض مفرقي

وغالت سوادي شهبة في قذاليا!

وحالت بي الحالات عمّا عهدتها

بكرّ الليالي والليالي كما هيا !

وما تبرح الأيّام تحذف مدّتي

بعدّ حسابٍ لا كعدّ حسابيا

[أنى الشيء (يأني): حان.. (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) الحديد (16).

ونشيد الشعر العربي أبو الطّيّب المتنبي ألم يذهب منذ أكثر من ألف عام إلى أنّ الصحة والشباب هما العمود الفقري للعيش الطيّب الحلو.. فإذا هما ذهبا تنغّص العيش، وأضحى مرّ المذاق..؟ وفوق هذا ألم يتمنّ أبو الطيّب على الدنيا أن تكون بخيلة، وألّا تجود بالعطايا والهبات.. لأنها أبداً، وأبداً تأخذ ما تعطيه ولا تُبقي ما تهب على أحدٍ كائناً من كان..؟

آلةُ العيش صحةٌ وشباب

فإذا ولّيا عن المرء ولّى

أبداً تسترِدُّ ما تهبُ الدنيا

فياليت جُودها كان بُخلا

(4)

أياً كان الأمر والموقف من الأمنيات الجارحات المستحيلات.. فنحن، في نهاية المطاف لا نملك إلا المَرْثاة.. نرقّ لحالتنا الخريفية.. نشفق على ما تبقّى من جذوتنا.. نتوجّع لرمادنا توجّع (جلجا مش) وهو يحمل بين يديه (إنكيدو) (..؟ !) نطبق أجفاننا.. ونغمغمُ:

أيّها الشباب الراحل سلامٌ عليكَ.. وعلى مَلَكوتكَ العالي.. سلامٌ على مفرداتكَ وتجلياتكَ وما حملتَ في طياتكَ.. سلامٌ على سمائكَ التي لا تُطال.. وعلى آفاقكَ الرحبة التي لا تحدّ.. سلامٌ على مملكتكَ التي أذْرَتْها ريح الزمن..

وسلامٌ عليكَ أيها العمر الذي تلاشيتَ وأنتَ تطارد خيوط الدخان وزبد البحار، وبين يديكَ صخرة (سيزيف) الأزليّة..

وأنتِ أيتها الأرض الطيبة الحانية.. يا أمي الباقية.. ها أنذا أعودُ إليكِ مفارقاً هذه الدنيا المدمّاة، وهذا الزحام العقيم.. كأنني لم أفدْ إليكِ، ولم أُخلقْ بين يديكِ…….؟!

العدد 1195 - 23/04/2026