شباب الروح.. وخذلان الجسد.. إلى حنا مينه في ميلاده التسعين
في التاسع من آذار 1924 على شواطئ اللاذقية ولد الكاتب حنا مينه، الذي هاجر مع أسرته إلى لواء إسكندرونة وعمره ثلاث سنوات، ليعود إلى لاذقيته، وعمره اثنا عشر عاماً..
عاد إلى المدينة التي ما زال يحلم بنقل بحرها إلى دمشق التي أحب، أو نقل دمشق لتغفو على شواطئه.
طفولة بائسة وفقر مدقع
حنا مينه طفل لأسرة فقيرة، اضطرت والدته لبيع نصف حليبها لإرضاع ابن عائلة ثرية، عانى طفولة مريرة قاسية، فيها من التشرد بمقدار ما فيها من الحرمان والحسرات، فما زلنا نذكر كيف لم يستطع الطفل المشاركة في الرحلة التي ستقيمها مدرسته لعدم توفر النقود لديه. كما نذكر تفتّحه المبكر في علاقته مع معلمته التي اشتمّ فيها رائحة الأنثى.. فأمدّته بقوة الرجولة والعزيمة على المواجهة، والتحدي وعدم الرضوخ لطامّة الفقر، مشكّلة قيمة مضافة إلى ما اكتسبه من أمه، التي أصبحت شخصية روائية في أكثر من عمل له. والتي حددت موقفه من قضايا المرأة وحقوقها، ونضالها من أجل العدالة.
فُجعت أمه به، فقد أعدته ليكون كاهناً أو شرطياً، لكن إدارة المدرسة اختارته للترتيل أو ضبط الإيقاع بالصوت في الكنسية، وبذلك يكون صلى في طفولته بما يكفي كل حياته، على حد تعبيره. أما هو فأصبح من أهم روائيي العالم.
عاش فترة دراسته في مدينة إسكندرون التي غدت تحت تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية، مسرحاً لانتشار البطالة، وأخذ شبح المجاعة يخيمْ على سمائها، وكانت حديقة المنشية فيها مكاناً لتجمع العمال العاطلين عن العمل، بينهم برزت شخصيات فايز الشعلة وعبده حسني، وسبيرو الأعور، كحملة أفكار جديدة، تدعو إلى تشكيل نقابات، وتحرّض على الثورة ضد الفرنسيين.
إحساس طبقي ووعي سياسي مبكرين
في هذا الجو العام، بدأ الوعي الوطني، والطبقي الاجتماعي، والسياسي، للطفل حنا مينه بالتشكل، وحددت تلك الشخصيات مع الكراسات التي اطلع عليها في المغائر، إضافة إلى الحالة العامة في المدينة المشحونة بالتوتر والصدامات والملاحقات، ملامح شخصية الكاتب، كما ساعدت على تكوين وعي سياسي مبكر لديه، دفعه إلى المساهمة المباشرة في العمل السياسي: مظاهرات، اعتقالاً، تشرداً.
حياة الكاتب في الوسط العمالي، ومعايشته همومه ومشكلاته، تركت أثراً عميقاً في مواقفه اللاحقة، من قضايا العمال ونضالاتهم، مما قاده إلى تبنّي وجهة نظرهم التاريخية، في فهم العالم ومعرفة سبل تغييره، ليصبح فيما بعد، من أهم كتّابهم، ومن أجرأ المدافعين عن مصالحهم الطبقية، في مواقفه الحياتية، وفي إبداعه.
بعد استكمال عدته المعرفية، المؤسسة على ثقافة متنوعة، في الفلسفة والأدب، والفكر، وبلقائه مع الكتاب التقدميين، من أمثال عمر الفاخوري، وغيره، ومساهمته في مجلة (الثقافة الوطنية) وبعدها مجلة (الطريق) اللبنانية، التي تضم خيرة المفكرين والكتاب، من أمثال: رئيف خوري، وفرج ا لله الحلو، وإلياس أبي شبكة، ومحمد دكروب، وحسين مروة، وغيرهم من الكتاب والمفكرين، الذين لبوا دعوته للمشاركة في تأسيس رابطة الكتّاب السوريين.
الحياة الواسعة، والتجربة الغنية، والتشرد في بلدان العالم (لبنان، الصين، المجر) وغيرها، وفرت للكاتب المادة الأولية اللازمة لإبداعه الفني، وثقافته العريضة مكّنته من فهم العالم، إنساناً وطبيعة ومجتمعاً، وتاريخاً، وآليات إبداع، فامتلك ناصية الكتابة الروائية، بموهبته، وبتجربته الغنية، وبمعاناته الحياتية والإبداعية، فكان أديب البحر، والغابة، في الرواية العربية.
تكاد تكون تجربة حنا مينه الحياتية، بكل غناها وتنوعها وتشابكها بؤرة محرقية ومنبعاً لمعظم شخصياته الروائية، ويمكن لنا أن نقول: إن الكاتب بما امتلك من تجارب وخاض من نضالات وكدّس من معارف، وعانى من تشرد وحرمان، وشقاء، ومعاناة، في وحدة التشكل والصيرورة، جعل من شخصه بطلاً من أهم شخصياته الروائية والمتخيلة.
الحياة مواجهة مستمرة
فكيف لا يحق له أن يقول: (صراعي مع القروش، كان صراع حياة) فهو الذي علمنا أن الحياة مواجهة، وأن الانتصار فيها قوامه الإرادة، وأن الشجاعة في الصبر، والرياسة وسام وصليب، موحّداً في إبداعه بين المثال الجمالي والأخلاقي، حريصاً على الصدقين: الصدق التاريخي، والصدق الفني، موائماً في حياته بين القول والفعل، فكيف لنا أن ننسى الطروسي، وصراعه على الشاطئ مع مالكي المواعين، وفي قلب اللجّة مع البحر لإنقاذ مركب الرحموني؟ وكيف لا نذكر فياض وأزمته وتردده بين القول والفعل، وديمتريو، وانشطاره عندما خفق قلبه للحب.. والخياط وضابط الإيقاع، دعك من زكريا وزكرتاوي، وأم حسن، وشكيبة، وزنوبة، وامرأة القبو؟!
تسعون عاماً عاشها حنا مينه مكافحاً، متجاوزاً الصعاب، منذ طفولته حتى مرحلته الراهنة، معانياً أشد الظروف، واللحظات القاسية، في العلاقة بين شباب الروح وخذلان الجسد.. وما زال مصراً على المواجهة والكفاح، متمسكاً بتفاؤله التاريخي، وفرحه الإنساني، وهو حتى اليوم ما زال يدق الأرض بقدميه لإيقاظها (ابنة الكلب النائمة).
صحيح أنه كما يقول: (كنت أضرب الأرض بقدمي فتهتز، أما الآن فعندما أضع قدمي عليها برفق.. أهتزّ أنا).
لا تحزن روحك أيها المبدع، فهي سنّة الكون والعبرة في مواصلة الطريق، التي ما زال إبداعك في طليعتها ملهماً ومحرّضاً ورائداً وشيخاً للرواية العربية، وأحد أعمدة الرواية العالمية.
لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نقشت وشماً على جلدي، إذا نادوا.. يا بحر! أجبت أنا، البحر أنا، فيه ولدت وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحاراً؟ إنه يتعمد بماء اللجّة.
حنا مينه