لماذا تخلّف العرب؟
خالد ديوب:
كل ظاهرة اجتماعيه تحوي تناقضاتها الداخلية بعلاقة جدلية يؤدي التراكم الكمي فيةا إلى تغير نوعي ينفي الظاهرة نفسها وتحل محلّها ظاهرة اجتماعية بديلة بتناقضاتها الداخلية، هذه العلاقة الجدلية تحكم مسار تطور المجتمعات البشرية.
في اليمن تحقق الاستقرار والتحضر وتطورت الزراعة والصناعة الحرفية ونشطت التجارة البحرية بين الهند وإفريقيا في القرن الأول الميلادي وشيّدت منشآت عمرانية ومؤسسات سياسيه شهد على بقاياها القرن الخامس الميلادي بعد أن حدث انقطاع تاريخي للتطور الحضاري بسبب سيطرة الحبشة على الطريق التجاري البحري واختلال رعاية الحميريين لسد مأرب، مما أدى إلى خراب الزراعة وهجرة أهل اليمن إلى أطراف الجزيرة العربية، ويدل على ذلك أن مستوى تطور الوعي الاجتماعي هو أعلى من مستوى تطور الوجود الاجتماعي القبلي، مما يدل على أن العرب حدثت لهم انتكاسة قطعت مرحلة تطورهم الاجتماعي.
فاللغة العربية التي حملت عقائد وتشريعات وكانت اللغة القرآنية الرفيعة البيان هي ظاهرة الاستمرارية التاريخية لحركة تطور العرب وتدل هذه اللغة على أن وراءها تاريخاً طويلاً استغرق قروناً سبق فترة ظهور الإسلام، كما حدثت عرقلة تطور تاريخي لفترة ثلاثة عشر عاماً عندما ناصب كبار تجار مكة وسادتها الرسالة المحمدية العداوة، لعدم إدراكهم أن مسار تطور الدعوة الإسلامية ينسجم مع مسار تطورهم كشريحة اجتماعية مؤهلة أن تلعب دوراً في التشكيلة الاجتماعية الجديدة كما حدث بعد فتح مكة.
وعند خروج العرب في حركة الفتح لم يكن لهم أن مارسوا السلطة السياسية والإدارية المتطابقة مع التشكيلة الاجتماعية القائمة لدى شعوب البلدان المفتوحة ولم يكن مستوى تطورهم بمستوى تطور هذه الشعوب بل أدنى منها، وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب بدأت حركة الفتح بصورة حاسمة سنة ستمئة وثلاث وثلاثين ميلادية، وكانت معركة القادسية أول الطريق لفتح العراق وبلاد الشام وإنهاء السيطرة الفارسية والرومانية، وساعد في ذلك ممارسة الاضطهاد الديني والطبقي الإقطاعي على هذه الشعوب وشملت حركة الفتح السيطرة على مصر وقسم كبير من بلاد فارس وشمال إفريقيا.
إن الصراع السياسي والاجتماعي الذي نشأ أواخر الحكم الراشدي واستمر في التفاقم، فتح باب الجدل الذي تولد عنه التيار القدري المحرك للجدل ضمن الظروف السياسية والاجتماعية وأخذ به المحكومون وكان من الطبيعي أن يظهر بين المفكرين والمثقفين من يعبر عن استياء المظلومين، وقد ظهر ذلك في مدرسة الحسن البصري التي تمخض عنها ظهور حركة المعتزلة التي ازدهرت في عصر خلافة المأمون العباسي المنحاز للبرجوازية وللمثقفين والذي قرّب إليه المعتزلة وغدا مذهبهم مذهب الدولة العباسية ونشطت الترجمة والفلسفة إلا أنه حدث انقلاب في عهد الخليفة المتوكل العباسي الذي انحاز إلى الإقطاع فحدثت الانتكاسة الطبقية والفكرية وتمت ملاحقة المعتزلة وحرق كتبهم.
لقد تزامنت الإقطاعية الأوربية مع الثورة العربية الإسلامية بداية القرن السادس الميلادي التي قامت على أنقاض نمط الإنتاج الإقطاعي الشرقي الآسيوي القديم كان في أوربا نمط الإنتاج الإقطاعي العبودي الذي استمر حتى القرن الخامس الميلادي القائم على ملكية الأرض والعبيد الجماعية مقابل استغلال العبيد الفردي الذي كان يسمى بنمط الإنتاج العربي الإسلامي ذي الملامح البرجوازية.
في تلك المرحلة كان العالم يستعد للانقسام إلى العالم العربي الإسلامي، والعالم الأوربي الذي كان منكمشاً على ذاته، بينما كان العالم العربي الإسلامي في ثورة عالمية وفي تجربة عرفتها البشرية في مجال تراكم رأس المال والتكوين التكنولوجي يكاد يحقق الثورة الصناعية الأولى كان العالم الأوربي يعيش نمط الإنتاج الإقطاعي الراكد وانفراط الإرث الحضاري الروماني، ولما تعاظمت التناقضات في بنية نمط الإنتاج العربي الإسلامي التي استدعت التدخل الخارجي كان نمط الإنتاج الإقطاعي الأوربي يستعد لأن يحمل في بنيته بذور التطور البرجوازي التي سوف تثمر بعد الحروب الصليبية.
هذه البذور كانت تكنولوجية قد نقلتها أوربا من حصيلة التجربة التكنولوجية العلمية العربية الإسلامية وتمثلتها منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وهكذا وضعت الحروب الصليبية حداً للدور العربي الإسلامي في قيادة حركة التطور البشري وتوقف المنحنى الحضاري العربي عن الصعود منذ منتصف القرن العاشر الميلادي نتيجة إخفاق التجربة التكنولوجية العلمية العربية وقيام الغزو الخارجي في المقابل كان المنحنى الحضاري الأوربي المنشد للأدنى حتى القرن الحادي عشر الميلادي قد بدأ صعوده لتهيئة الأسس الضرورية لقيادة التجربة العلمية التكنولوجية واستمراريتها وتحقيق التراكم الرأسمالي وبدء مقومات صعود المنحنى الحضاري الأوربي مقابل استمرار هبوط المنحنى الحضاري العربي الإسلامي. إن انتهاء الدور العربي الإسلامي في قيادة حركة التطور البشري لصالح أوربا التي تشكلت برجوازيتها وإقامة مشاعلها المانيفاكتورية وتحقيق قواعد التكنولوجيا وانفتاح آفاق التطور أمام أوربا وحدها وتخليص ما تبقى للعرب من طرق تجارية واستعمارها واستمرار التكوين التكنولوجي والتراكم الرأسمالي عبر قدرات الإبداع والاختراع واستمرار النهب الاستعماري للمواد الأولية العربية وتصدير فائض الإنتاج الصناعي والانتقال من طور إلى طور في ثورة صناعية أولى وثانية وثالثة ثورة في عالم الإلكترون والأتمتة والمعلوماتية والمعرفة.
وبعد تشكل منظومة الدول الاشتراكية منذ انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية عام ألف وتسعمئة وسبعة عشر تمكنت الدول العربية من إنجاز مهام التحرر السياسي منذ استقلال سورية عام ألف وتسعمئة وستة وأربعين، والتوجه لإنجاز مهام التحرر الاقتصادي، انفتحت أمام العرب مجدداً آفاق التطور بمساعدة منظومة الدول الاشتراكية لدول عربية في بناء القاعدة المادية للتطور من مشاريع الري واستصلاح الأراضي ومشاريع صناعية شكلت الهيكل الرئيسي للقطاع العام وتقوية القدرة العسكرية وتأهيل الكادر الفني العلمي بمختلف الاختصاصات.
إن القطاع العام الذي وفر فرص العمل الإنتاجي وسد الحاجات الداخلية من المنتجات واجه حالة الركود لعدة أسباب منها انتشار الفساد وعدم تحديث الآلات، مما أدى إلى انخفاض إنتاجية وحدة العمل وانخفاض مستوى الوعي الاجتماعي عن مستوى نمط الإنتاج المتمثل بالقطاع العام، كما أن الطبيعة الطبقية للقوى الاجتماعية التي ساهمت في إنجاز هذا التطور الذي غير في بنية المجتمع لا تتيح لها أن تسير أبعد من هذا الشوط، وأن شرائح اجتماعية من هذه القوى استغلت مواقع اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي وأثْرَت باستنزاف موارد الدولة مما أدى الى ركود التطور وتوقف المسار على هذا النمط الإنتاجي في هذه الدول العربية وانسدّت آفاق التطور مجدداً أمام العرب وتفاقمت التناقضات الداخلية واتسع الاستياء الشعبي وعجزت الشرائح الاجتماعية وأحزابها عن تكوين الكتلة التاريخية المنسجمة مع آفاق التطور وبروز العوامل الخارجية المتربصة بتقهقر التطور، فكان السقوط لمسار هذا التطور محتماً، وانفتح الواقع على تناقضات جديده لظاهرة اجتماعية جديدة بتناقضاتها الداخلية.
المراجع:
-النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية- حسين مروة.
-الحوار العربي العربي من أجل مشروع حضاري جديد- الدكتور إسماعيل سفر.