اقتصـاد القيم المضافة
د. عامر محمد وجيه خربوطلي:
هو بالضبط ما تحتاجه سورية واقتصادها الجديد المتعافي، وهو ما يجب ان تعمل عليه حالياً ومستقبلاً لزيادة الناتج المحلي الإجمالي والفردي، وبالتالي تحسين مستوى المعيشة والاستفادة القصوى من الطاقات والإمكانيات المادية والبشرية لتحقيق أكبر أداء وفاعلية.
إنه اقتصاد القيم المضافة (added value Economic)، الذي هو بالتعريف إطار اقتصادي يركز على خلق قيمة اقتصادية حقيقية من خلال تحويل الموارد إلى منتجات وخدمات أكثر تطوراً، بدلاً من مجرد بيع المواد الخام. هو يمثل الانتقال من اقتصاد (يبيع ما يستخرجه) إلى اقتصاد (يبيع ما يصنعه ويبتكره)، وهنا مربط الفرس كما يقال لأي اقتصاد جديد ناهض مثل الاقتصاد السوري، وهو الذي يمنحه القدرة على تسريع ومضاعفة معدلات النمو الاقتصادي.
والكلمة المفتاحية الرئيسية في هذا الاقتصاد هي القيمة المضافة، التي تمثل الفرق بين قيمة الناتج النهائي وتكلفة المدخلات الوسيطة المستخدمة في إنتاجه.
ومثالها التحول من إنتاج المنتجات الزراعية وتصديرها كمادة خام، إلى تحويلها لمنتجات غذائية جاهزة قابلة للتصدير، والفرق بين السعرين الذين جرى بهما البيع للمادة الخام الزراعية والمنتج الصناعي النهائي هو القيمة المضافة المحققة.
وبالتالي فإن مجموع القيم المضافة في الاقتصاد هو ما يشكل الناتج المحلي الإجمالي (GDP).
اقتصاد القيم المضافة يعكس قوة الاقتصاد الحقيقية وجودة منتجاته من خلال عدة محاور وطرق منها:
* تجنب الاعتماد على المواد الخام، فالدول التي تصدر المواد الخام فقط (مثل القطن الخام) تحقق قيمة مضافة منخفضة، بينما تحقق الدول التي تصنع منتجات نهائية (مثل الملابس أو الطائرات) قيمة أعلى بكثير. وقبل انحدار إنتاج سورية من القطن لأسباب عديدة لا مجال لذكرها حالياً منها الجفاف بالتأكيد. كانت سورية تنتج حوالي مليون طن، انخفض إلى ٧٥ ألف طن حالياً، ولكن المفارقة في وقت الذروة آنذاك أن القسم الأكبر كان يصدّر إما خاماً أو محلوجاً، ويبقى الباقي لصناعة الخيوط والنسيج والألبسة، وكان هناك دراسة طويلة لسلاسل القيمة قدمتها جهة استشارية أوربية تشير إلى أن القيم المضافة لجميع المراحل من زراعة القطن إلى حلجه وغزله ونسجه وخياطته وتصديره كألبسة قطنية تامة الصنع تعادل قيمة إنتاج سورية من النفط الذي كان يصل آنذاك لحوالي ٣٠٠ ألف برميل، وهو يبقى ثروة ناضبة في حين أن القطن ثروة متجددة سنوياً.
أيضاً هناك دور مهم يتمثل في خلق فرص عمل أفضل: فالاقتصادات القائمة على قيمة مضافة عالية (مثل التكنولوجيا والتصنيع المتقدم) توفر وظائف ذات مهارات أعلى ورواتب أفضل.
و أخيراً، اقتصاد القيم المضافة يشكل مصدراً مهمّاً للابتكار والإبداع، فتطوير المنتجات والخدمات الجديدة يتطلب ميزات فريدة (مثل العلامة التجارية أو الدعم الفني والتقني والتكنولوجي) مما يخلق قيمة أكبر.
ويتحقق اقتصاد القيم المضافة عادة وفي سورية خصوصاً من خلال عدة عوامل مترابطة:
منها التحول الصناعي: عبر تحويل المواد الخام إلى منتجات مصنعة عالية القيمة.
إدخال الخدمات والعلامات التجارية: إضافة قيمة عبر التصميم والتسويق وخدمات ما بعد البيع، أو بناء علامة تجارية قوية، ويكفي القول إن قيمة منتج أو خدمة لماركة مشهورة تشكل العلامة فيها ٨٠% من القيمة والباقي للمادة.
أيضاً من خلال الابتكار والتكنولوجيا: عبر تطوير منتجات جديدة أو تحسين العمليات الإنتاجية.
- وأخيراً عنصر رأس المال البشري والمهارات: عبر الاستثمار في تعليم الموارد البشرية وتدريبها وتأهيلها.
سورية الجديدة لن تنهض بقوة وسرعة واقتدار دون الاعتماد أولاً على اقتصاد القيم المضافة، وتجنب القيم المهدورة والثروات غير المستغلة بالشكل الأمثل.
إنه رهان جديد وسننجح فيه بإذن الله!