دعا إلى الملكية المشتركة وتعاون المنتجين.. جان مسلييه.. كاهن من القرن الثامن عشر

د. نديم دندن:

الكاهن الذي تمرد سراً على الكنيسة الكاثوليكية والملك والملكية الخاصة، قبل ماركس بأكثر من قرن ونصف القرن، كان ماركسياً داعياً إلى الملكية المشتركة وتعاون المنتجين (جان مسلييه).

ولد في مازورنيه في مقاطعة شمبانيا عام ١٦٧٨م. أمضى طفولته في تلك القرية الفرنسية، بعد تعليمه الأول فيها أكمل دراسته اللاهوتية بناء على رغبة والديه، وعيّن بعد ذلك كاهناً لبلدة فرنسية صغيرة ( إتريبني) وهو في الخامسة والعشرين من العمر، وظلّ مقيماً فيها حتى وفاته، وكان مثالاً للرجل الصالح متفانياً في خدمته للرعية محبوباً من قبلها لا سيما أبناء الطبقة الفقيرة والفلاحين، فقد شاهد بؤسهم وعذابهم وتحسّس آلامهم وما كانوا يعانوه من اضطهاد، ما كان حافزاً أساسياً وإلهاماً أولياً لكتابة أفكاره على شكل مخطوطة كوصية تركها بعد وفاته، فكانت وبالاً عليه من أولئك أنفسهم الذين أمضى سنوات حياته في خدمتهم ومساعدتهم، وهو الذي لم يكن يأخذ أية أجور منهم لقاء أي عمل قدمه لهم من أمور الزواج والجنازة عدا تسديد نفقات حياته البسيطة والبعيدة عن التبذير، متبرعاً بقطعة الأرض التي كان يملكها للفلاحين بعد موته، وكل هذا لم يشفع له حين اكتشاف أهالي القرية تلك المخطوطة التي أمضى سنوات حياته الأخيرة في كتابتها، فقد هاجم فيها الكنيسة والسلطة السياسية والإقطاع الذي كان سائداً في فرنسا، ودعا المضطهدين إلى النضال ورص الصفوف للتخلص من نير الاستعباد الذي رزحوا تحته، وعاد هؤلاء الذين  لم يقرأ معظمهم ما خطه قلمه، ونبشوا قبره ومثلوا بجثته بتحريض من رجال الدين في الكنيسة التي خدم فيها مساعداً رعيتها في تسيير أمورهم الدنيوية، وكان لا يرجو إلا خلاصهم ورفع الظلم عنهم، ولم يدرك هؤلاء أنه سيأتي يوم يدرك فيه أكثرية الشعب أن أفكاره هذه التي طرحها في كتابه سينشرها الكاتب رودولف شارل عام ١٩٦٤.

حين شعر الأب جان مسييه بدنوّ أجله قال ما اختمر في رأسه من أفكار وما تفاعل في نفسه من هواجس، وهو الذي اهتم بشؤون الفلاحين الفقراء وقساوة ما تحملوه من جبروت أصحاب السلطة الدينية والسياسية، وجاهر بحقيقة العلاقات البشرية والدين والدولة والنظام الإقطاعي المهيمن على المجتمع، غير آبه بما سيلقاه بعد موته وبما يفكرون، ويقولون ويفعلون في هذا العالم، هذا الهاجس الذي ظل يؤرقه من دون أن يتمكن من البوح به، بسبب الرعب والخوف الذي كان منتشرا في أوربا، والبطش الذي مارسته الكنيسة ومحاكم التفتيش.

لقد كانت دعوة جان مسلييه إلى المساواة الاجتماعية ومشاعية الممتلكات والثورة ضد المجتمع الطبقي تعتبر من أوائل الدعوات الاشتراكية في القرن الثامن عشر، وهو أول شيوعي تكلم عن الصراع الطبقي قبل ماركس وأنجلز لتأسيس مجتمع لا طبقي، ومن خلال العمل الثوري الذي نادى به فيما بعد ماركس ولينين وغيرهم من المفكرين الاشتراكيين.

لقد رفض الأب مسلييه بكتابه الممارسة اللاأخلاقية باسم الدين من فرض الإتاوات والضرائب المجحفة على الناس الفقراء لازدياد ثراء الطبقة الحاكمة، وتفشي الفقر والفاقة في صفوف المواطنين، ولم يكن ممكناً في تلك الأوقات إخماد النزاعات ووقف سفك دماء المناضلين من أجل العيش بكرامة والقضاء على الأوضاع المتردية التي عاشوا فيها.

إن تسليط الضوء على هذا المفكر الذي عاش قبل قرنين ونيف من الزمن ليس من باب الترف الفكري، إنما محاولة لإيقاظ المناضلين للثورة لتغيير الواقع الذي نعيشه في هذا القرن الحادي والعشرين،

حيث لا يزال الظلم والاستغلال كما حدث في ثورة أكتوبر الاشتراكية، فقد اعترفت القيادة بهذا المفكر وكرمته بإقامة نصب تذكاري له عرفاناً بالجميل الذي قدمه للإنسانية، بطرحه نوعاً من الشيوعية الأولية في الريف وهو الانتماء إلى بلدية تكون فيه الثروة مشتركة، والجميع لديهم عمل ومتضامنون، والعيش على مبدأي الأخوّة والمساواة والحفاظ على السلام.

وأخيراً وليس آخراً

«هل وجد ثقة عهد، أو ميثاق مثل هذا في تاريخ البشرية جمعاء؟ يعيش صاحبه منسياً لا ذكر له، في قرية نائية قد ترتعد فيها كل النفوس رعباً وهلعاً، إلا نفسه هو، لمجرد الاطلاع على أفكاره الخفية، ولهذا لم يتحدث بمثل هذه الحرية إلا لكتابه.

وهذه القصة الحزينة عن حياة هذا الكاهن المثيرة تروي المأساة المخفية من صراع العقل مع الكنيسة، وكيف النضال استمرّ طويلاً وبقوة غير عادية للتخلص من الكنيسة وسلطتها باسم الدين.

وكان من الواضح كيف وصل الأب مسلييه إلى اللاعودة مع الكنيسة والمسيحية لأنه تحدث بصراحة عن الحروب الدينية في أوربا بقوله: (زعزعت الخلافات الدينية أركان الإمبراطوريات، وأدت إلى الثورات وخربت أوطاناً بأسرها، ولم يكن ميسوراً إخماد النزاعات الحقيرة باسم الدين حتى بأنهار من الدماء).

توفي الماركسي قبل ماركس بقرن ونصف القرن عام ١٧٢٩ للميلاد.

العدد 1220 - 21/10/2026