بين نقص الآليات وعزوف العمال.. إلى أين تتجه أزمة النظافة في حماة؟

(النور) – خاص:

تتفاقم أزمة النظافة في مدينة حماة يوماً بعد يوم، إذ يكاد لا يخلو شارعٌ من حاوياتٍ حديدية ممتلئة تتراكم حولها أكياس القمامة المنزلية، وامتدت هذه الظاهرة لتطول الشوارع الرئيسية وضفاف نهر العاصي، وأمست مثار شكوى متكررة من السكان في معظم الأحياء، وتُنشر يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي صورٌ للقمامة المتراكمة، مصحوبة بعبارات استياءٍ من تقصير البلدية، وعتبٍ على المواطنين الذين يرمون أكياسهم خارج الحاويات أو في الشارع العام.

قد يبدو للوهلة الأولى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق السكان؛ سواءٌ بسبب رمي القمامة خارج الحاويات، أو إلقاء النفايات من نوافذ السيارات وأثناء المشي والتنزه، أو نتيجة السلوكيات الخاطئة لبعض أصحاب المواشي في التخلص من بقايا الحيوانات النافقة، فضلاً عن نبش الحاويات ونثر محتوياتها بعشوائية، وهو اعتقاد صائب إلى حد بعيد، إذ يفتقر قطاع واسع من الناس للشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية تجاه الممتلكات والمنشآت العامة وأماكن التنزه. غير أن المسؤولية التنفيذية والحقيقية تقع على عاتق الجهات الحكومية المعنية، وفي مقدمتها مديرية النظافة التابعة للبلدية بالدرجة الأولى، ثم المحافظة بالدرجة الثانية.

يوضح مصدر مسؤول في البلدية الأسباب التشغيلية لتفاقم الأزمة، مؤكداً أن مديرية النظافة تفتقر إلى الآليات الكافية للجولات اليومية وإفراغ الحاويات؛ إذ لا تغطي الآليات المتاحة حالياً سوى 25% من الحاجة الفعلية للمدينة، ورغم أنّ الكوادر ترحّل نحو300 طن يومياً إلى مكبّ (كاسون الجبل)، إلّا أن هذه الكمية تبقى دون حجم النفايات المتولّدة. كما يبيّن المصدر أنّ المديرية خاطبت وزارة الإدارة المحلية والبيئة لتأمين آليات جديدة لكنها لم تصل بعد، مشيراً أيضاً إلى عدم استلام الآليات المخصصة لها من تبرعات حملة (فداءً لحماة) حتى الآن.

كيف تُدار حملات النظافة الحالية؟
تُخدّم المدينة حالياً خمس ضاغطات قمامة فقط تجوب الأحياء يومياً، لكنها وفق المصدر تعجز عن تلبية المتطلبات، لا سيما مع حاجة بعض الأحياء المزدحمة لتفريغ حاوياتها عدة مرات في اليوم الواحد. يُضاف إلى ذلك النقص الحاد في أعداد التركسات والحاويات، وتوقف صهاريج غسيل الشوارع أو عملها بالحد الأدنى؛ نتيجة شح المياه وتوجيه المتاح منها لغايات أخرى كسقاية الحدائق (التي لا تحصل سوى على 10% من حاجتها). ويشار في هذا السياق إلى أن المديرية تُسيّر-وفق إمكانياتها المتاحة- ورديات مسائية للمناطق المركزية والأسواق المزدحمة، مثل شارع الدباغة وشارع 15 آذار (8 آذار سابقاً)، للحد من تراكم القمامة أمام المحال التجارية.

ولا يقل العامل البشري أهميةً عن الآليات؛ فقد تقلصت أعداد عمال النظافة بشكل حاد بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، ويتراوح عددهم اليوم بين 300 و350 عاملاً فقط يغطون المدينة كاملة، في حين تحتاج حماة فعلياً إلى نحو 1500 عامل. وتعود أسباب هذا النقص الحاد إلى غياب العقود النظامية بين المديرية والعمال، وتدني الحوافز المالية، إلى جانب النقص الحاد في معدات السلامة المهنية والملابس الواقية خاصةً في الظروف الجوية القاسية. كل هذه العوامل، يُضاف إليها الضغط المضاعف على العمال الحاليين وغياب التقدير المجتمعي لجهودهم، جعلت المهنة طاردة للعمالة، وأدت في أحيان كثيرة إلى تقاعسهم أو امتناعهم عن العمل.

 

الأضرار البيئية

والتحديات القانونية

لم تعد الآثار محصورة في المنظر العام، بل تعدتها إلى أضرار صحية وبيئية كُبرى، تمثلت بانتشار الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات والقوارض في أحياء عدّة، مثل (جنوب الملعب)، إضافة إلى تشكّل مكبات عشوائية قرب ضفاف نهر العاصي وسهل الغاب تهدد البيئة والنشاط الزراعي، وسط ظهور محاولات ومبادرات محلية خجولة لفرز النفايات من المصدر للتخفيف من حدة المشكلة.

وفيما يتكرر الحديث عن ضرورة تطبيق القوانين وتغريم المخالفين لفرض الردع الاجتماعي، يرى المصدر أنّ هذه المطالب غير واقعية في الوقت الراهن؛ إذ لا يمكن محاسبة المواطنين على تراكم القمامة في وقت تعجز فيه الجهات المعنية عن إفراغ الحاويات المتاحة أصلاً. فالغرامات تُفرض فقط عندما تتوفر بيئة منتظمة للتفريغ والتنظيف، بعد ذلك يمكن مساءلة من يرمون القمامة عشوائياً. ويوضح أنّ المخالفة الوحيدة التي يمكن تطبيقها حالياً هي رمي القمامة أمام المنازل أو الأبنية في حال وجود حاوية فارغة قريبة، وهو أمر غير متاح عملياً في معظم أحياء المدينة نظراً لامتلاء جميع الحاويات.

 

بين التدخل المركزي المطلوب

والمسؤولية المجتمعية

 

في ضوء هذا الواقع، تبرز حاجة ماسة لتدخل مركزي عاجل من الوزارة لمعالجة هذا العجز المتزايد في حماة وأريافها -في حين تمتد هذه المشكلة إلى العاصمة دمشق ومعظم المناطق السوريّة- عبر خطة قائمة على دراسات ميدانية توضح احتياجات كل منطقة من الآليات والكوادر البشرية، ورصد الموارد المالية اللازمة، مع تشديد الرقابة لمكافحة الفساد والمحسوبيات في توزيع هذه الموارد.

وعلى الجانب الآخر، تبقى المسؤولية المجتمعية حاضرة؛ سواءٌ بدعم المقتدرين مادياً للجهود الخدمية عن طريق التبرعات، أو بالتزام المواطنين بعدم رمي النفايات في الشوارع ومن السيارات. إنّ تفعيل دوريات الرقابة وتطبيق الغرامات فور انتظام الخدمة سيكون رادعاً فعّالاً لترسيخ الوعي والمسؤولية الفردية والجماعية والمضي قدماً نحو تطبيق الحلّ العملي للأزمة ومنع تكرارها في المستقبل، فهل نرى استجابة حكومية قريبة؟

العدد 1220 - 21/10/2026