جوبر والقابون.. هل يدفع أصحاب المنازل ثمن إعادة إعمار منازلهم من أراضيهم؟

“النور” – سليمان أمين:

في جوبر والقابون، شرقي دمشق، لا يدور النقاش حول كيفية إزالة الركام وإعادة بناء المنازل فحسب، بل حول سؤال اقتصادي أكثر حساسية: من سيدفع كلفة إعادة الإعمار، ومن سيمتلك القيمة العقارية التي ستنتج عنها؟

في 13 آذار مارس 2026، عرضت محافظة دمشق مقترحاً لإعادة تطوير مناطق تشمل جوبر والقابون وباب شرقي، بمساحة إجمالية تقارب 1100 هكتار، وتكلفة مقدرة بنحو 21 مليار دولار. ووفق ما نقله موقع سيريا ريبورت، طُرح استقدام شركات أجنبية لتمويل المشروع وتنفيذه مقابل حصولها على نحو نصف مساحة المنطقة. كما تحدث المسؤولون عن إمكانية توفير قرابة 200 ألف فرصة عمل. لكن المقترح لم يكن، وفق المعلومات المنشورة آنذاك، اتفاقاً استثمارياً نهائياً تتوافر تفاصيله التعاقدية للجمهور. حيث تكشف هذه الأرقام حجم التحدي الذي تواجهه الدولة السورية: احتياجات إعمار ضخمة، وموارد عامة محدودة، وقطاع خاص محلي لا يستطيع وحده تمويل مشروعات بهذا الحجم. لكن اللجوء إلى الاستثمار العقاري يفتح سؤالاً لا يقل أهمية عن تأمين التمويل: هل يمكن إعادة بناء الأحياء المدمرة من دون أن يخسر أصحابها الأصليون جزءاً كبيراً من حقوقهم الاقتصادية؟

 

الأرض بوصفها رأس المال الأساسي

تختلف إعادة إعمار الأحياء المدمرة عن بناء مدينة جديدة على أرض خالية. ففي الحالة الأولى، توجد حقوق ملكية سابقة، ومنازل كانت مأهولة، وحقوق للورثة والشاغلين، وارتباطات اجتماعية واقتصادية لا يمكن اختزالها في قيمة الإسمنت والحديد. فالأرض هنا ليست مجرد مدخل إنتاج، بل أصل اقتصادي يمتلكه السكان قبل وصول المستثمر. وعندما تتحسن البنية التحتية ويُعاد تنظيم المنطقة، ترتفع قيمة هذا الأصل بفعل الاستثمار العام والخاص معاً. ووفق المقترح المنشور، تحصل الشركات على حصة من الأرض مقابل التمويل والتنفيذ. ومن حيث المبدأ، يمكن لهذا النموذج أن يخفف العبء عن الموازنة العامة ويتيح تنفيذ مشروعات يصعب تمويلها بالموارد المتاحة. غير أن عدالة الاتفاق تتوقف على كيفية تقييم مساهمة كل طرف: ما قيمة الأرض التي يقدمها أصحابها؟ وما الكلفة الفعلية التي يتحملها المستثمر؟ وما قيمة الأصول التي سيحصل عليها بعد اكتمال التطوير؟ ومن دون إجابات موثقة عن هذه الأسئلة، لا يمكن الحكم بأن نسبة 50% عادلة أو مجحفة في جميع الحالات. فالنسبة وحدها لا تكشف القيمة الاقتصادية الحقيقية للصفقة.

 

معادلة التعويض:

مساحة أقل أم قيمة عادلة؟

بحسب سيريا ريبورت، تضمنت تفاصيل المقترح المتداولة تعويض أصحاب العقارات المنظمة بوحدات تعادل نحو 50% من المساحة السكنية السابقة، في حين طُرح تعويض أصحاب الأبنية المقامة على أراضٍ مصنفة زراعية بنحو 30% من مساحة الأرض، من دون احتساب الأبنية غير المرخصة بالطريقة نفسها. كما أثار المقترح أسئلة بشأن حقوق المستأجرين وآليات تقييم العقارات. اقتصادياً، لا تكفي مقارنة المساحات وحدها لتحديد عدالة التعويض. فقد تكون شقة جديدة أصغر مساحة، لكنها أعلى قيمة بسبب موقعها وخدماتها، وقد تكون الوحدة الجديدة أقل قيمة من العقار السابق بسبب اختلاف الموقع أو نوع الملكية أو شروط التصرف بها. لذلك ينبغي أن يستند التعويض إلى تقييم مستقل يشمل قيمة الأرض، والحقوق القانونية، وقيمة البناء، والموقع، والخدمات، وتكاليف الانتقال، والبدائل السكنية المتاحة. كما ينبغي الفصل بين التعويض عن الملكية وبين حقوق المستأجرين وغيرهم ممن يعتمدون على المنطقة للسكن والعمل. أما التعامل مع البناء غير المرخص باعتباره عديم القيمة تلقائياً، فقد يتجاهل واقعاً عمرانياً واجتماعياً تشكل على مدى سنوات. وهذا لا يعني أن كل بناء مخالف يجب أن يُشرعن، بل أن تسوية الحقوق ينبغي أن تميز بين المخالفة التنظيمية وبين وجود مصالح سكنية واقتصادية فعلية تستحق دراسة قانونية منصفة.

 

من يتحمل مخاطر المشروع؟

المستثمر يواجه مخاطر التمويل، وتكاليف البناء، وتقلبات الأسعار، وتأخر التنفيذ. لكنه قد يحصل، في المقابل، على أصول عقارية ترتفع قيمتها بعد اكتمال المشروع. أما صاحب المنزل المدمر، فقد يتحمل مخاطر مختلفة: تأخر العودة، وعدم وضوح التعويض، وفقدان القدرة على إعادة البناء بصورة مستقلة، واحتمال اضطراره إلى بيع حقه بسعر منخفض بسبب حاجته إلى السيولة.  وتزداد المشكلة عندما تتأخر القرارات أو تبقى تفاصيل المشروع غير معلنة, إذ قد يستغل بعض الوسطاء حالة عدم اليقين للضغط على المالكين لبيع عقاراتهم بأسعار تقل عن قيمتها المحتملة. وقد أشار تقرير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط إلى مخاوف السكان من ضغوط البيع ومن غياب الشفافية في ترتيبات إعادة التطوير. وهنا تظهر ضرورة ألا تُترك المفاوضات بين مالك فرد وشركة كبيرة من دون قواعد تحمي توازن المصالح. فالشراكة العادلة لا تتطلب منع المستثمر من الربح، بل ضمان أن تكون المخاطر والعوائد موزعة وفق مساهمة كل طرف، وأن يمتلك السكان المعلومات والقدرة القانونية اللازمتين للتفاوض.

 

هل توجد بدائل عن اقتطاع الأرض؟

هناك بدائل يمكن دراستها، من بينها مساهمة الدولة في تمويل البنية التحتية، أو إنشاء صندوق لإعادة الإعمار، أو اعتماد شراكات يحتفظ فيها المالك بحصته مقابل مساهمته بالأرض، أو تمويل التنفيذ على مراحل، أو تخصيص وحدات سكنية بديلة وفق تقييم مستقل وحقوق واضحة. حيث لا يوجد نموذج واحد يصلح لكل الأحياء, فقد تختلف الملكيات، ونسب الدمار، وطبيعة التنظيم، والقدرة المالية للسكان. لكن أي نموذج ينبغي أن يخضع لمعايير معلنة: شفافية العقود، وتقييم مستقل، وآلية اعتراض قضائية، وضمان حق العودة، وتحديد مسؤولية المستثمر عن التمويل والتنفيذ. والأهم نشر دراسة جدوى تشرح كيف احتُسبت كلفة المشروع، وكيف وُزعت المساحات، وما الإيرادات المتوقعة، وما القيمة التي ستؤول إلى المالكين والشركات والجهات العامة.

 

الاختبار الحقيقي لإعادة الإعمار

لا تستطيع سوريا إعادة بناء مناطقها المدمرة من دون استثمارات واسعة، لكن الحاجة إلى رأس المال لا تبرر إضعاف حقوق الملكية. فالاستثمار المستدام يحتاج إلى قواعد موثوقة، وتسوية واضحة للنزاعات، وثقة بأن العقود لن تتحول إلى مصدر جديد للصراع. وحتى الآن، لا تكفي المعلومات المنشورة لإثبات أن المقترح بصيغته النهائية سيؤدي إلى استحواذ غير عادل، كما لا تكفي لتأكيد عدالته الاقتصادية. المطلوب هو نشر الوثائق التي تسمح بتقييمه على أساس موضوعي، والاستماع إلى السكان، ومقارنة العوائد والتكاليف والبدائل.

جوبر والقابون ليستا مجرد مشروع عقاري, إنهما اختبار لطريقة توزيع كلفة التعافي وعوائده. فإذا حصل المستثمر على مقابل عادل لتمويله ومخاطره، واستعاد السكان حقوقهم بصورة منصفة، أمكن أن تتحول الشراكة إلى محرك لإعادة البناء. أما إذا بقيت العقود غامضة والتعويضات غير قابلة للتقييم، فإن إعادة الإعمار قد تنتج مباني جديدة، لكنها ستترك سؤال الملكية مفتوحاً. والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الجهات المعنية قبل بدء التنفيذ ليس فقط: كم ستكلف إعادة الإعمار؟ بل أيضاً: كم تبلغ قيمة الأرض التي يساهم بها السكان، وكم سيحصلون فعلياً مقابلها، ومن يملك حق مراجعة هذه المعادلة؟

العدد 1220 - 21/10/2026