سوق العمل تحت رحمة الذكاء الاصطناعي.. الشباب في طـابور البطالة

علي سرور:

لطالما واجه الشباب والشابات تحديات جمّة في مسعاهم للحصول على وظيفة، لكنّ الأرقام الحديثة تكشف بروز صعوبات جديدة. فلم تعد المنافسة على الوظائف محصورة بمرشّحين من الجنس البشري، إذ دخل على هذا الخطّ منافس لا يحتاج إلى راتب أو إجازة أو تأمين صحي، ولا يتوقّف عن العمل عند انتهاء ساعات الدوام. فالذكاء الاصطناعي استحال خياراً منطقياً للمؤسسات الساعية إلى خفض الكلفة وتوسيع هامش الأرباح، مستفيداً في الوقت نفسه من قدرته على معالجة كمّ هائل من المعارف والبيانات التي راكمتها البشرية.

وبينما يُطلب من الأجيال الجديدة أن تتسلّح بالمهارات وتواكب التكنولوجيا، تتراجع في المقابل قدرة الاقتصادات على توفير فرص عمل مستقرة ولائقة. وتكشف هذه المفارقة جانباً من ملامح المستقبل في زمن التحوّل الرقمي، حيث التكنولوجيا تتقدّم بوتيرة متسارعة، فيما يجد العمّال أنفسهم أمام سوق أكثر هشاشة، وتتراكم مكاسب الإنتاج في أيدي قلّة تملك رأس المال والتقنيات.

ارتفع معدل البطالة العالمية بين الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى 12.4 في المئة عام 2025، وفق تقرير منظمة العمل الدولية الذي حمل عنوان (الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026). ويُترجم ذلك بأنّ نحو 67 مليون شاب حول العالم من هذه الفئة العمرية، كانوا بلا عمل العام الماضي. ونقلت (رويترز) أن التقرير حذّر في الوقت نفسه من أنّ ضعف خلق الوظائف وتراجع جودتها يضيفان أعباء جديدة على الجيل الداخل حديثاً إلى سوق العمل.

ولا تختزل البطالة حجم الأزمة، فقد تجاوز عدد الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقّون تدريباً 257 مليوناً، أي نحو خُمس شباب العالم. وتبدو الأزمة أكثر حدّة في المنطقة العربية، حيث بلغ معدل بطالة الشباب 26.2 في المئة، فيما سجل شمال إفريقيا 22.6 في المئة، وفق المنظمة الدولية.

في الوقت نفسه، يدخل الذكاء الاصطناعي إلى سوق العمل بوتيرة متسارعة، مهدداً خصوصاً بعض الوظائف المكتبية والمبيعات والأعمال متوسطة المهارات التي شكّلت، تقليدياً، بوابة الدخول الأولى إلى الحياة المهنية. وتقدّر منظمة العمل الدولية أنّ 6.1 في المئة من الوظائف التي يشغلها الشباب معرّضة بدرجة مرتفعة لتأثير الذكاء الاصطناعي.

 

حين تُنتج الآلة أكثر…

لمن تذهب الثروة؟

لا يُنظر إلى المسألة باعتبارها معركة بين الإنسان والآلة، بل بين أنماط مختلفة من ملكية التكنولوجيا وتوزيع عوائدها. فمنذ ماركس، ظلّ السؤال المركزي من يملك وسائل الإنتاج، ومن يستفيد من زيادة الإنتاجية.

وفي كتاباته عن الأتمتة ومستقبل العمل، يذهب الباحث نيك سرنيسك إلى أن التكنولوجيا يمكن أن تقلّل الحاجة إلى العمل البشري، لكن ذلك لا يعني تلقائياً تحرّر الإنسان، فالنتيجة تتوقف على كيفية توزيع مكاسب الإنتاجية. أما ديفيد غريبر، فقد انتقد في كتابه (الوظائف العبثية) اقتصاداً يستمر في خلق أعمال تفتقر إلى المعنى حتى مع ارتفاع الإنتاجية.

لذلك، لا تكمن المفارقة في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز المزيد في وقت أقل، بل في توجيه ثماره نحو تعظيم أرباح الشركات، عوضاً من تسخيرها لتقليص ساعات العمل، وتحسين الأجور، وتوسيع مظلّة الحماية الاجتماعية. ومن هذا المنظور، تتجاوز أزمة البطالة المتفاقمة بفعل الأتمتة كونها مشكلة اجتماعية واقتصادية، لتتداخل معها المصالح السياسية والنفوذ المتنامي للنخب التي تمسك بمفاتيح التكنولوجيا في وادي السيليكون.

وهنا يُطرح السؤال الأوسع: هل تُوجَّه التقنيات الحديثة بما يضمن رخاءً أوسع للبشرية، ويتيح توزيع مكاسب الإنتاجية على نحو أكثر عدلاً، أم تتحوّل إلى أداة جديدة لتراكم الثروات وتعزيز نفوذ الشركات العملاقة، بحيث يصبح التقدّم التقني امتيازاً لقلة، فيما تُترك كلفته الاجتماعية على عاتق الأكثرية؟

عن (الأخبار)

العدد 1213 - 2/09/2026