العملة السورية الجديدة.. صعوبات واقتراحات

الدكتور سلمان صبيحة:

ظهور لافت للفراطة على شكل (علكة- بسكوتة- بومبونة.. وغيرها)

مع انتهاء القوة الإبرائية للعملة السورية القديمة في ٣٠ تموز ٢٠٢٦، يواجه المواطنون والأسواق في سورية عدة صعوبات ظهرت على السطح بقوة، أبرزها:

١-  إرباك حركة البيع والشراء.

٢- نقص الفئات النقدية الجديدة الصغيرة.

٣-  صعوبة وتكلفة استبدال ما تبقى من أموال.

فخلال الـ ٤٨ ساعة السابقة لانتهاء مدة التداول بالعملة القديمة، شهدت العاصمة دمشق والمحافظات الاخرى بعض الاضطرابات في الأسواق والخدمات، فقد امتنع العديد من التجار والباعة وسائقي النقل عن قبول الفئات القديمة، مما أدى لركود في حركة الأسواق الشعبية، وعمت فوضى التسعير في أغلب المناطق، الأمر الذي أدى إلى  ظهور تفاوت في تسعير السلع، وربط بعض المعاملات بسعر صرف أعلى للدولار بحسب نوع العملة المدفوعة (قديمة أو جديدة)، وظهرت أزمة جديدة في السوق، هي أزمة الفراطة، المتمثلة في نقص حاد في توفر الفئات النقدية الجديدة الصغيرة وعدم وجود بدائل كافية لبعض الفئات القديمة، الأمر الذي حدا ببعض السائقين على سبيل المثال أن يرجعوا للركاب أشياء عينية بدل النقود مثل (علكة، بسكوتة، بمبونة …الخ)، كما شهدت مراكز الاستبدال المعتمدة ازدحامات شديدة، أمام المنافذ المحدودة المتبقية خلال الأيام الأخيرة للمهلة، مع العلم أن الجهات المعنية بينت أن عمليات الاستبدال مستمرة بعد ٣٠ تموز لكنها ستتم حصراً عبر مصرف سورية المركزي في دمشق ولمدة خمس سنوات، بشرط أن تتم وفق طلبات لا تقل عن ١٠٠ ورقة نقدية وتحويل قيمتها لحساب مصرفي، الأمر الذي ترك ارتياحاً إلى حد ما عند البعض ممن بقي لديهم مدخرات بالعملة القديمة، لكن في الوقت نفسه يرى البعض الآخر أن حصر عملية الاستبدال بالمصرف المركزي بدمشق وفق ضوابط وشروط معينة، قد يشكل عبئاً مالياً ومشقة إضاقية على المواطنين وخاصة سكان المحافظات الأخرى والأرياف.

اللافت أيضاً خلال الأيام الماضية كان ظهور سماسرة جدد وشبكات صرافة غير رسمية تتقاضى عمولات متفاوتة لاستبدال العملة التالفة أو المتأخرة خارج القنوات الرسمية، أو ما يسمى السوق الموازية (السوق السوداء).

مع انتهاء فترة التداول بالعملة القديمة يتساءل البعض ممن لا يعجبهم العجب: هل هي صفحة جديدة أم صفعة جديدة للمواطن السوري؟!

يؤكد بعض المختصين بالشأن الاقتصادي السوري أنه، مع انتهاء مهلة تداول العملة السورية القديمة، والبدء فعلياً ورسمياً مرحلة التداول بالليرة السورية الجديدة، والتي أصبحت أمراً واقعاً وحصرياً، وما شهدته الأسواق من ارتباك ومواجهة تحديات لوجستية في توفر السيولة (الفراطة) من الفئات الصغرى والتعامل السلوكي للتجار في تقريب الأسعار، جعل مصرف سورية المركزي يواجه تحديات واضحة تتمثل في:

١- توفير الفئات النقدية الصغيرة من العملة الجديدة، مثل ١٠ و ٢٥ ليرة جديدة وغياب أجزاء أصغر مثل الليرة، والخمس ليرات، حيث يرجع بعض الخبراء والمعنيين قلة توفر الفئات الصغرى إلى ارتفاع تكلفة طباعة الورقة مقارنة بقيمتها الاسمية المتدنية في ظل التضخم، علماً أن غياب السيولة الكافية من الفئات الصغيرة أدى إلى صعوبة إتمام المعاملات اليومية البسيطة وأجور النقل بعد فقدان العملة القديمة لقوتها الإبرائية.

٢-  إن انتهاء مهلة التداول بالعملة السورية القديمة وفقدانها لقوتها الإبرائية أفرز آثاراً تضخمية سلوكية وزيادة غير مباشرة في الأسعار، مثل تقريب الكسور النقدية إلى الأعلى وشح الفئات الصغيرة، مما زاد الأعباء المعيشية على المواطنين وشكل بالنسبة لهم صفعة قوية، فعند تحويل القيم وحذف الصفرين، يلجأ بعض الباعة إلى تقريب السعر للأعلى بدلاً من حفظ الكسور الدقيقة، مما يعطي زيادة فعلية في سعر السلعة.

٣- بالتأكيد إن أزمة الفئات الصغيرة (عدم توفر الفراطة) أدى إلى إشكالات يومية في المواصلات والأسواق، واضطرار المواطنين لدفع مبالغ إضافية غير مقصودة.

٤-  إن الضغط والازدحام على مراكز الاستبدال قد تسبب كما أشرنا سابقاً بظهور سماسرة وعمولات غير رسمية لمن لم يستبدل عملته في الوقت المناسب، فأثقلت كاهل المواطن.

– أهم المقترحات لمعالجة الآثار السلبية الطارئة في مرحلة انتهاء التداول بالعملة السورية القديمة: يرى بعض الاقتصاديين المتحمسين للعملة الجديدة، أنه يجب على الدولة السورية أن تقوم وبشكل عاجل بحل المشكلات المعيشية الناتجة عن انتهاء مهلة التداول بالعملة القديمة وذلك عبر ضخ الفئات النقدية الصغيرة، ومراقبة الأسواق لمنع التضخم السلوكي وزيادة التقريب للأعلى، وتسهيل إجراءات استبدال ما تبقى من العملة القديمة وذلك وفق ما يلي:

أ- التدابير النقدية والرقابية:

توفير السيولة، ضخ الفئات النقدية الصغيرة والجديدة في المصارف والأسواق لتسهيل عمليات البيع والشراء اليومية ومنع شح الفراطة.

رقابة الأسعار، منع التجار من تقريب الكسور السعرية بالعملة الجديدة نحو الأعلى بشكل عشوائي يضر بقوة المواطن الشرائية.

٣- مرونة الاستبدال، تفعيل مراكز مصرف سورية المركزي في كل المحافظات وعدم حصرها فقط في دمشق لاستبدال العملة القديمة المتبقية خلال مهلة الـ خمس سنوات المتاحة دون تعقيد.

ب – الدعم المعيشي والأسواقي:

١- ضبط الأسواق، تشديد الرقابة التموينية على الأسواق الشعبية والمتاجر لضمان الالتزام بالتسعيرة العادلة.

٢- تخفيف الأعباء، دعم القدرة الشرائية للمواطنين ومراقبة تكاليف النقل والخدمات الأساسية لمنع استغلال مرحلة الانتقال النقدي.

– من المتوقع أن الفترة القادمة ستظهر بالتأكيد نتائج تغير العملة السورية وانعكاساتها على السوق وعلى الحياة المعيشية للمواطنين، ومما لا شك فيه أن الليرة السورية الجديدة ستحاول جاهدة إثبات نفسها وسط بحر هائح من التحديات الكبيرة، ولا سيما أن الأنظار كلها تتجه نحوها كونها تمثل تجربة جديدة وتحدياً نقدياً كبيراً، في المرحلة المقبلة، متوقعين نتائج إيجابية من هذا التغير أبرزها:

١- ضبط السيولة –  حصر الكتلة النقدية المتداولة وإجبار الأموال المكتنزة على الظهور.

٢- استقرار الصرف –  يسعى مصرف سورية المركزي لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.

٣- تحديات التضخم – لدعم استقرار الليرة وبقاء التضخم مرتبطاً بالإنتاج المحلي وأسعار الطاقة والاستيراد وليس بشكل العملة أو حذف الأصفار.

نأمل مع بداية هذه المرحلة الجديدة أن نشهد خلال الفترة القادمة تحسناً نوعياً ملحوظاً في الاقتصاد السوري ليواكب ما تم إنجازه نظرياً في هذا المجال من رفع للعقوبات وتدفق للاستثمارات على البلاد وفق الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعت، والتغيرات والخطوات والإجراءات الكبيرة التي حدثت في السياسة النقدية ولاسيما القرار الجريء بتغيير العملة السورية والخروج كما يقال من عنق الزجاجة.

العدد 1209 - 5/08/2026