الهدوء الخادع في سورية.. لماذا لا يزال التعافي الاقتصادي أبعد من الأفق؟
سليمان أمين:
في الأشهر التي تلت سقوط النظام السوري وتسلّم الحكومة المؤقتة إدارة البلاد، ساد انطباع داخلي وخارجي بأن سورية تقف على أعتاب مرحلة جديدة. تراجعت حدة المواجهات العسكرية، وعادت بعض المؤسسات إلى العمل، وبدأت وفود دولية واقتصادية تتحدث عن فرص إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار. غير أن المشهد السوري في ربيع عام 2026 يكشف واقعاً أكثر تعقيداً من الرواية المتفائلة التي رافقت التحول السياسي.
فعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي تشهده معظم المناطق السورية، لا تزال البلاد تواجه واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية والتنموية في تاريخها الحديث. وبينما يُنظر إلى غياب المعارك بوصفه مؤشراً على نهاية الحرب، تظهر المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية أن سورية لم تخرج بعد من دائرة الأزمة، بل ربما دخلت مرحلة جديدة تختلف في أدواتها عن سنوات الصراع، لكنها لا تقل خطورة في آثارها طويلة الأمد.
اقتصاد ما بعد الصراع أم اقتصاد ما بعد الانهيار؟
تاريخياً، ترتبط نهاية النزاعات المسلحة بمرحلة تعافٍ اقتصادي تدريجي تقودها الاستثمارات وإعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة. لكن الحالة السورية تبدو مختلفة إلى حد بعيد. فبعد أكثر من عقد ونصف من الحرب والعقوبات والانقسام الجغرافي والمؤسساتي، لم تعد المشكلة الأساسية مرتبطة بالدمار المادي فقط، بل بانهيار البنية الاقتصادية التي كانت تدير الدولة والمجتمع.
تواجه الحكومة المؤقتة اقتصاداً يعاني من ضعف الإنتاج، وتراجع الاستثمار، وهجرة واسعة للرساميل والكفاءات البشرية. كما أن معظم القطاعات الإنتاجية، من الصناعة والزراعة إلى الخدمات المتخصصة، تعمل اليوم بأقل من طاقتها الفعلية. وبينما يتطلع السوريون إلى تحسن سريع في ظروفهم المعيشية، فإن قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل ورفع مستويات الدخل لا تزال محدودة للغاية.
وتكمن المفارقة في أن انتهاء الصراع العسكري لا يؤدي تلقائياً إلى انتهاء الأزمة الاقتصادية. ففي كثير من الدول الخارجة من الحروب، تستغرق عملية إعادة بناء المؤسسات والأسواق سنوات طويلة، خاصة عندما تكون الدولة قد فقدت جزءاً كبيراً من مواردها وقدراتها الإدارية، وهو ما ينطبق إلى حد كبير على الحالة السورية.
فجوة التوقعات والواقع
من أبرز التحديات التي تواجه سورية اليوم اتساع الفجوة بين توقعات المواطنين والواقع الاقتصادي. فقد ارتبط سقوط النظام لدى كثير من السوريين بأمل فوري في تحسن الأوضاع المعيشية وانخفاض الأسعار وزيادة فرص العمل. لكن الواقع أثبت أن الانتقال السياسي لا يملك عصاً سحرية لمعالجة تراكمات اقتصادية امتدت لسنوات طويلة.
وتشكل هذه الفجوة مصدراً محتملاً لعدم الاستقرار الاجتماعي. فكلما ارتفعت التوقعات الشعبية دون أن يقابلها تحسن ملموس في الحياة اليومية، ازدادت مشاعر الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات الجديدة. وتظهر تجارب دول عديدة أن الفترات الانتقالية تكون أكثر هشاشة عندما تعجز الحكومات عن تحقيق نتائج اقتصادية سريعة تلبي الحد الأدنى من تطلعات المواطنين.
في سورية، لا يزال ملايين السكان يواجهون صعوبات في تأمين احتياجاتهم الأساسية، فيما تستمر الضغوط المرتبطة بالبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الخدمات العامة. ولذلك فإن نجاح المرحلة الانتقالية لن يُقاس فقط بالاستقرار السياسي، بل بقدرتها على تحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين خلال فترة زمنية معقولة.
أزمة تنموية تتجاوز الاقتصاد
لا تقتصر الأزمة السورية الحالية على المؤشرات المالية أو مستويات الدخل، بل تمتد إلى جوهر العملية التنموية. فسنوات الحرب ألحقت أضراراً عميقة برأس المال البشري، وهو العنصر الأكثر أهمية في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستدام.
فقد شهدت البلاد موجات واسعة من الهجرة شملت أعداداً كبيرة من الأطباء والمهندسين والأكاديميين وأصحاب الخبرات المهنية. كما تأثر النظام التعليمي بشدة نتيجة النزوح والانقطاع عن الدراسة وضعف التمويل. ونتيجة لذلك، تواجه سورية اليوم تحدياً مزدوجاً يتمثل في إعادة بناء البنية التحتية المادية من جهة، واستعادة القدرات البشرية من جهة أخرى.
وتشير التجارب الدولية إلى أن إعادة إعمار البشر أكثر تعقيداً من إعادة إعمار الحجر. فالمدارس يمكن ترميمها خلال سنوات، لكن استعادة جودة التعليم وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات التعليمية والصحية تحتاج إلى عقود من العمل المتواصل.
المدن السورية
ومظاهر الفقر الجديدة
في المدن الكبرى، بدأت تتشكل ملامح جديدة للفقر تختلف عن الأنماط التقليدية التي عرفتها البلاد سابقاً. فالفقر لم يعد محصوراً في الأحياء الطرفية أو الفئات المهمشة، بل امتد إلى شرائح واسعة كانت تُصنف سابقاً ضمن الطبقة الوسطى.
أصبحت الأسر تعتمد على مصادر دخل متعددة وغير مستقرة، فيما يتجه عدد متزايد من الشباب نحو الأعمال المؤقتة أو غير الرسمية. كما برزت ظواهر اجتماعية جديدة، مثل تأجيل الزواج، وتراجع معدلات الإنجاب، والاعتماد المتزايد على التحويلات المالية القادمة من الخارج.
ويشير ذلك إلى تحول هيكلي في الاقتصاد الحضري السوري، حيث تتراجع فرص العمل المستقرة لصالح أنشطة قصيرة الأجل تفتقر إلى الحماية الاجتماعية والإنتاجية العالية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يؤدي إلى ترسيخ نموذج اقتصادي هش يصعب عليه تحقيق نمو مستدام في المستقبل.
إعادة الإعمار
ليست مشروعاً هندسياً
كثيراً ما يُختزل الحديث عن إعادة إعمار سورية في مشاريع البناء والطرق والجسور والمباني السكنية. لكن التجارب العالمية تؤكد أن إعادة الإعمار الحقيقية هي عملية مؤسسية قبل أن تكون عملية هندسية.
فسورية تحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وإدارة عامة فعالة، ونظام مالي قادر على جذب الاستثمار، وقضاء مستقل يعزز الثقة في العقود والحقوق الاقتصادية. ومن دون هذه العناصر، قد تتحول مشاريع إعادة الإعمار إلى نشاط اقتصادي محدود الأثر وغير قادر على إطلاق دورة نمو حقيقية.
كما أن جذب الرساميل المحلية والخارجية يتطلب وضوحاً سياسياً ومؤسسياً طويل الأمد. فالمستثمرون لا يبحثون فقط عن فرص الربح، بل عن الاستقرار والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، وهما عاملان لا يزالان قيد التشكل في سورية الجديدة.
الهدوء الذي
يخفي تحدّيات أكبر
قد يبدو المشهد السوري اليوم أكثر هدوءاً مقارنة بسنوات الحرب، لكن هذا الهدوء يخفي تحت سطحه تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة. فالأزمة لم تعد أزمة جبهات عسكرية أو خطوط تماس، بل أزمة تنمية وثقة ومؤسسات وفرص اقتصادية.
إن أخطر ما تواجهه سورية في هذه المرحلة ليس احتمال عودة الحرب فحسب، بل خطر الاعتياد على اقتصاد ضعيف ومجتمع منهك ودولة عاجزة عن تلبية تطلعات مواطنيها. فالاستقرار الحقيقي لا يُقاس بعدد الأيام التي تمر دون قتال، بل بقدرة الناس على العمل والإنتاج والتخطيط لمستقبل أفضل.
ولهذا السبب، فإن الهدوء الذي تعيشه سورية اليوم قد يكون خادعاً. فبينما تبدو الحرب أقرب إلى الماضي، لا تزال معركة التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة في بدايتها، وربما تكون أكثر صعوبة وتعقيداً من الصراع الذي سبقها. فإعادة بناء دولة أنهكتها سنوات الحرب لا تبدأ بإسكات المدافع فقط، بل ببناء اقتصاد قادر على منح المواطنين سبباً حقيقياً للإيمان بالمستقبل.