زيارة ماكرون إلى دمشق.. بين المصالح الفرنسية ورهانات السيادة السورية

قراءة نقدية في الأبعاد الاستعمارية الجديدة للسياسة الفرنسية

علي شوكت:

في مشهد يعيد إنتاج علاقات الهيمنة الاستعمارية بثياب جديدة، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، يوم 6/7/2026، في زيارة تحمل في طيّاتها أكثر مما يظهر منها على السطح.

فخلف العناوين البرّاقة عن (مرحلة جديدة) في العلاقات السورية الفرنسية، تختبئ أطماع استعمارية فرنسية ممنهجة تستند إلى تراكمات تاريخية من النهب والاستغلال في المنطقة العربية والإفريقية على حد سواء.

فلا يمكن فصل السياسة الفرنسية في سورية عن سجلها الاستعماري البغيض في إفريقيا، فقد مارست باريس على مدى عقود أشنع أشكال النهب المنظم لثروات الشعوب الإفريقية. فمنطقة الساحل الإفريقي التي اضطرت فرنسا للخروج منها مؤخراً، بعد مقاومة شعبية عنيفة، شهدت واحدة من أبشع عمليات استنزاف الموارد في التاريخ الحديث.

تشير الإحصائيات الموثقة إلى أن فرنسا استولت على ما يقارب 500 مليار دولار من ثروات دول إفريقية (منها مالي والنيجر وبوركينا فاسو) خلال العقود الخمسة الماضية عبر آليات معقدة من الاستغلال الاقتصادي شملت:

  • السيطرة على الموارد الطبيعية: استحوذت الشركات الفرنسية على حصص كبرى في قطاعات اليورانيوم والذهب والنفط الإفريقي بأسعار متدنية.
  • سياسة اعتماد العملة الاستعمارية، عبر فرنك غرب إفريقيا (CFA) الذي ربط عملات المستعمرات السابقة بالاقتصاد الفرنسي مما جعلها رهينة لسياسة بنك فرنسا.
  • الإملاءات السياسية: تدخلت باريس في شؤون الدول السابقة أكثر من 40 مرة عسكرياً منذ استقلالها بحجة (الحفاظ على الاستقرار).

هذا الإرث الاستعماري المقيت هو ما يدفع اليوم باريس للبحث عن (فريسة) جديدة تعوّض بها خسائرها، وسورية المدمرة التي تحتاج إلى مئات المليارات لإعادة إعمارها تبدو هدفاً مثالياً.

وفي استنساخ النموذج الاستعماري، تأتي زيارة ماكرون محمّلة بعلامات استعمارية جديدة لا تختلف في جوهرها عن الممارسات في تلك الدول.

يرافق ماكرون وفد من كبريات الشركات الفرنسية التي تتطلع للفوز بعقود إعادة الإعمار في سورية. وهذه الشركات ذاتها هي التي لعبت دوراً رئيسياً في استنزاف ثروات إفريقيا وعلى رأسها شركة (توتال) للنفط، و(فانسي) للإنشاءات، و(سي إم إيه سي جي إم) للموانئ.

فاستثمار 430 مليون يورو في مرفأ اللاذقية الذي تروّج له باريس كمساهمة في إعادة الإعمار هو في الواقع خطوة استحواذية على أحد أهم الموانئ السورية، مما يمنح فرنسا نفوذاً استراتيجياً على حركة التجارة السورية.

وإعلان ماكرون عن رغبة فرنسا في (استكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية) يفضح النوايا الحقيقية للزيارة. ففرنسا التي نهبت النفط الليبي واليورانيوم النيجري تسعى اليوم للاستيلاء على الثروات الهيدروكربونية السورية في البحر المتوسط، وخصوصاً بعد اكتشاف حقول غازية مهمة في المياه الإقليمية السورية.

ومن هنا تأتي مصافحة ماكرون للرئيس المؤقت أحمد الشرع وتحويله إلى (شريك) في واجهة الاستقرار، ما يحمل في طياته رسائل سياسية واضحة. فأيّ تعاون مع فرنسا سيكون وفق شروطها، وأي تنازل عن السيادة الوطنية سيكون مقبولاً إذا جاء ضمن (إطار التعاون الاقتصادي).

وفي هذا السياق تكون مصالح السوريين في مواجهة الأطماع الفرنسية،

وهذا ما يوجب على السوريين اليوم أن يكونوا أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأن يستخلصوا الدروس من التجارب الإفريقية المريرة. فالشعوب الإفريقية دفعت ثمناً باهظاً لثقتها بفرنسا، واكتشفت أن الوعود الفرنسية كانت مجرد واجهة لنهب أكثر تنظيماً.

 

المخاطر التي تهدد المصالح السورية

نستعرض هنا أبرز المخاطر التي تهدد المصالح السورية:

  1. رهن الاقتصاد الوطني للإملاءات الفرنسية، وقد حدث مثل ذلك مع الدول الإفريقية التي أصبحت أسيرة للسياسة النقدية الفرنسية.
  2. استنزاف الثروات الطبيعية، تحت غطاء (الاستثمار) و(التعاون الاقتصادي).
  3. التدخل في الشؤون الداخلية، بحجة (الحماية) أو (المساعدة التقنية).
  4. إعادة إنتاج التبعية: إذ تصبح سورية سوقاً للمنتجات الفرنسية ومصدراً للمواد الخام.

 

بدائل استراتيجية للسوريين:

أمام السوريين، في هذا الوضع، بدائل استراتيجية أبرزها:

  • تنويع الشراكات الدولية: بدلاً من التركيز على طرف واحد، يمكن التوجه، مثلاً، نحو الصين وروسيا والدول الخليجية التي تقدم تعاوناً اقتصادياً دون شروط سياسية مجحفة.
  • تعزيز السيادة الاقتصادية: عبر تطوير الصناعة الوطنية والزراعة، والاعتماد على الذات في إعادة الإعمار.
  • وضع شروط وضمانات لأي استثمار أجنبي، تحمي الثروات الوطنية وتضمن نقل التكنولوجيا لا استيراد التبعية.

 

استثمارات مفخخة

إن زيارة ماكرون إلى دمشق لا تعبّر عن نيّة حسنة تجاه السوريين بقدر ما هي محاولة فرنسية لتعويض الخسائر في إفريقيا واستنساخ نموذج النهب الاستعماري في ثوب جديد. ففرنسا التي لم تكف عن ممارساتها الاستعمارية في القارة الإفريقية لا يمكنها اليوم أن تكون شريكاً موثوقاً لسورية في بناء مستقبلها.

والتحدي الحقيقي أمام السوريين وصناع القرار فيها هو التمييز بين الشراكات الحقيقية التي تحترم السيادة الوطنية، والاستثمارات المفخخة التي تحمل في طياتها مشاريع استعمارية جديدة. فالتاريخ الإفريقي الحديث مليء بالعِبَر لمن يتأمل.

فهل يكون السوريون أكثر حكمة من إخوانهم الإفريقيين الذين اكتشفوا متأخرين أن الابتسامة الفرنسية تخفي خلفها أنياباً استعمارية لم تتغير منذ قرون؟

السيادة السورية ليست للبيع وثروات سورية ليست غنيمة للاستعمار الجديد، وإعادة الإعمار ليست ذريعة لنهب جديد.

فلْنكُن واعين لتلك الأساسيات البديهية، سواء كان ذلك مع فرنسا أو أي دولة أخرى تضع مصالحها السياسية والاقتصادية أولاً. فالعلاقات الدولية تبنى على المصالح، لا على النوايا الحسنة التي يختبئ بين طياتها كل خبائث الأرض، فالدول ليست جمعيات خيرية. وهذا ما يوجب على أصحاب القرار الانتباه ووضع المصالح الوطنية في مقدمة أي اعتبارات أخرى.

العدد 1206 - 15/07/2026