لا ندري ما إذا كنا نتجه.. إلى الانفجار الكبير أم إلى الصفقة الكبرى؟!
د. نهلة الخطيب:
الحرب مستمرة ويتكرر التلويح بالخيار العسكري مع إبقاء الباب موارباً أمام مسارات تسوية دبلوماسية بشروط أمريكية أكثر صرامة، هكذا تدار السياسات العالمية بما يتناسب والمصلحة الأمريكية الإسرائيلية وترسم خرائط العالم والنفوذ الجيوسياسي بالقوة العسكرية، الصراع الآن حول مضيق هرمز. ترامب فقد السيطرة عليه وإيران بسطت سيطرتها على المضيق مجدداً بضرب أي سفينة لا تمر من خلالها وفرضت قيوداً على المرور، مما أدى إلى توقف العبور ريثما يجري التفاهم، ولهذا الوضع تبعات خطيرة على الاقتصاد العالمي واضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، إذ يتحكم المضيق في 20% من غاز العالم، ومن يتحكم بالممرات المائية يتحكم بالتجارة العالمية ويفرض الهيمنة.
ترامب لم يكن مستعداً لهذا الخيار، وهذا ما أثار جنونه، فتحول الصراع من إسقاط النظام أو إخضاعه إلى فتح المضيق، فأعلن إيقاف الهدنة وإعادة ضرب البنى التحتية لإيران.
وقف التفاوض يعني فشل مذكرة التفاهم في الضغط على الخصم وانتزاع النصر، ولكن التهديدات العسكرية فقدت مفعولها لأن إيران تعيش حالة حرب منذ خمسة شهور وتمتص الضربات، في خطة لإطالة الحرب مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، ومضيق هرمز مغلق وترامب لن يتحمل العبء السياسي الناجم عن ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب التي لا تلقى تأييداً شعبياً ولا يوجد إجماع دولي أو إقليمي عليها، مع السعي الإيراني لكسب الوقت واستعادة قدراتها الردعية للمواجهة الكبرى، وربما للغزو البري التي يجري التحضير له بعد أن اتخذ قراره بقمة الناتو في تركيا وصفقة أف 35 لن تكون دون مقابل، فقد يكون ثمنها صراعاً سنّيّاً شيعيّاً!! أملنا بتركيا التي تدرك ما ينتظرها بعد إيران.
لا أحد يعرف متى وكيف ستنتهي الحرب الأمريكية- الإيرانية وليس هناك رؤية واضحة لإنهائها وما تريده أمريكا من إيران ولماذا الحرب؟! البيت الأبيض عاجز عن الرد، وهذا يضع الخطط المعدة للحرب في دائرة الشك حول تحقيق أهدافها، ويخفي الحقيقة أمام انجرار ترامب وراء نتنياهو، ترامب أشعل الحرب وهو مُطالب باتخاذ قرار لإنهائها، كيف وهو الذي صرح أنه لن يوقفها قبل استسلام إيران غير المشروط وتدمير الملف النووي؟ والآن أصبح فتحُ المضيق أولوية ولم يكن أصل الصراع، حسب الفايننشال تايمز (لا توجد خطة كبرى بشأن إيران)، ووقف إطلاق النار ليس له معنى فعلي بل خطوة تهدف إلى تهدئة الأسواق وتجنب أي إجراء فعلي تشريعي من الكونغرس، لأن أيّاً من الطرفين لم يتوقف عن إطلاق النار أصلاً، إيران تعتبر مضيق هرمز الورقة الأخيرة، إذا سقطت سقطت إيران، وترامب يعتبر فتح مضيق هرمز هو الانتصار الذي سيروجه لجمهوره الانتخابي قبل الانتخابات النصفية.
ما يزال ترامب تحت صدمة إغلاق المضيق يهذي ويهذي! ترامب يعلن استعداده لعملية اغتياله (1000 صاروخ موجه إلى إيران لتدميرها وعلى العالم أن يفتقده)، بعد هروبه من قمة حلف الناتو بعد تسريب معلومات حول عملية اغتيال تطوله، فالنظام الإيراني لم يسقط بل أصبح أكثر تشدداً، هذا ما أكده مجتبى خامنئي (ولي الدم) في تشييع جنازة والده برفع سقف المواجهة ووعد أن لا يتنازل عن الثأر لدم أبيه، وأصدر فتوى لكل أحرار العالم بالانتقام والتصعيد والتشدد ضد أمريكا وإسرائيل، هناك تخبط في العالم لإعادة تركيب النظام العالمي الجديد (سايكس بيكو جديد على الأهواء الإسرائيلية)، واللعب بأعلى مستوياته في منطقتنا التي شهدت تغييرات كبيرة تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية، فحروب الشرق الأوسط هدفها تشكيل نظام عالمي جديد، محوره إسرائيل الكبرى، الأولوية لدى كل صناع القرار الأمريكي هي إسرائيل، وقد حقق ترامب لإسرائيل إنجازات كبيرة يستذكرها في قمة الناتو (لم يجرؤ على فعلها أحد لكنني فعلت)!! اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وأكد اعترافه بضمّ إسرائيل للجولان، في مؤتمره الصحفي أمام صنّاع القرار السوري، واسترسل ترامب باستذكار إنجازاته الخارجية والداخلية في ولايته الثانية وأكثرها أهمية استراتيجية البيض والدجاج (أصبح البيض متاحاً للجميع) ووعد بتراجع الأسعار أكثر.
نحن في حرب شاملة على مستوى الشرق الأوسط، رهان ترامب على فرضية عقلانية الخصم وتراجعه عند مواجهة القوة المفرطة، وهي فرضية خاسرة في حروب الوجود، وفي حال فشل الردع قد تدخل المنطقة في حروب استنزاف غير متكافئة، ستخدم فيها إيران الدرونز والباليستي ضد القواعد الأمريكية في الخليج، وهذا ما نعيشه حاضراً مع إغلاق مضيق هرمز وتالياً باب المندب، مشهد لا يمكن قراءته من خلال تصريحات القادة فقط، وخرائط النفوذ لا ترسم في غرف الاجتماعات بل تحسمها ساحات الميدان، ومن يملك القدرة على الصمود في إدارات أزماته بأقل تكلفة وبناء تحالفات أكثر استدامة.
أيام أخرى وسط هذا الظلام ودون أن ندري ما إذا كنا نتجه إلى الانفجار الكبير أم إلى الصفقة الكبرى؟!
ما ندريه أن أمريكا منذ تسلم ترامب ولايته اهتزت صورتها في العالم، من فضائح إبستين إلى إدارة حروب نتنياهو، وأخيراً مأزق إيران والشرخ الكبير الذي حدث ويحدث لن يكون لصالح الدور القيادي لها.