سورية 2026.. اقتصاد ينجو كلّ يوم.. لكنّه لا يتعافى!
سليمان أمين:
في كل صباح، يستيقظ ملايين السوريين على سؤال واحد يسبق كل الأسئلة الأخرى: كيف يمكن تدبير نفقات هذا اليوم؟
لم يعد التخطيط لشهر أو لعام جزءاً من الحياة الاقتصادية في سورية، بل أصبح النجاح في تأمين الاحتياجات الأساسية لأربع وعشرين ساعة إنجازاً بحد ذاته. وبينما توقفت أصوات المعارك والاقتتال منذ سنة ونصف السنة، برزت معركة أخرى أكثر تعقيداً واستدامة؛ إنها معركة البقاء داخل اقتصاد فقد معظم مقوماته الإنتاجية، ولم يعد قادراً على توفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
بعد سنوات طويلة من الحرب، ثم مرحلة الانتقال السياسي، وجدت الحكومة المؤقتة نفسها أمام اقتصاد يعاني لا من أزمة دورية، بل من اختلالات هيكلية عميقة تراكمت على مدى أكثر من عقدين. فالطرق يمكن إصلاحها، والمباني يمكن إعادة بنائها، لكن إعادة بناء اقتصاد فقد الثقة، والاستثمار، ورأس المال البشري، تُعد مهمة أكثر تعقيداً بكثير.
اقتصاد يتحرك دون أن ينمو
قد تبدو الأسواق السورية مزدحمة، والمحلات التجارية مفتوحة، وحركة البيع والشراء مستمرة، إلا أن هذا النشاط لا يعكس بالضرورة تعافياً اقتصادياً. فمعظم التعاملات اليومية تدور داخل اقتصاد يركز على الاستهلاك والوساطة التجارية والأنشطة الصغيرة، بينما تظل القطاعات الإنتاجية الكبرى، مثل الصناعة والزراعة، بعيدة عن استعادة دورها التاريخي.
اقتصاد من هذا النوع يستطيع أن يحافظ على دوران محدود للأسواق، لكنه يعجز عن خلق نمو حقيقي أو فرص عمل مستقرة. ولذلك، فإن الحركة الاقتصادية الظاهرة لا تعني بالضرورة تحسناً في المؤشرات التنموية، بل قد تخفي وراءها حالة من الجمود الهيكلي، فالاقتصاد يدور في حلقة مغلقة من ضعف الإنتاج، وانخفاض الدخول، وتراجع الطلب الحقيقي.
الدخل يتآكل..
ولا قدرة على التعويض
في المدن السورية، أصبحت العلاقة بين الدخل والإنفاق أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فالأجور، سواء في القطاع العام أو الخاص، لا تواكب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، بينما يعتمد عدد متزايد من الأسر على أكثر من مصدر دخل في الوقت نفسه.
لم تعد الوظيفة وحدها تكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية. فالمعلم قد يعمل في الدروس الخاصة، والموظف يقود سيارة أجرة بعد انتهاء دوامه، والطبيب يبحث عن عمل إضافي، فيما يتجه الشباب إلى التجارة الإلكترونية أو الأعمال الحرة محدودة الدخل.
هذا النمط من تعدد مصادر الدخل لا يعكس ديناميكية اقتصادية، بل يكشف عن تراجع القوة الشرائية واتساع فجوة الدخل، حيث تتحول معظم الأنشطة الاقتصادية إلى وسائل للبقاء، لا أدوات لتراكم الثروة أو تحسين مستوى المعيشة.
الاقتصاد غير الرسمي..
الدولة الموازية
واحدة من أبرز سمات الاقتصاد السوري اليوم هي توسع القطاع غير الرسمي، الذي أصبح يستوعب أعداداً كبيرة من العاملين. فمن البسطات والأسواق الشعبية إلى الورش الصغيرة والخدمات المنزلية والعمل الرقمي، يتزايد الاعتماد على أنشطة لا تخضع بالكامل للأطر التنظيمية أو الضريبية.
ورغم أن هذا الاقتصاد يوفر فرصاً مؤقتة للدخل، فإنه يفتقر إلى الحماية الاجتماعية والاستقرار القانوني، كما يحد من قدرة الدولة على توسيع قاعدتها الضريبية وتمويل الخدمات العامة.
وتشير التجارب الاقتصادية إلى أن استمرار هيمنة الاقتصاد غير الرسمي لفترات طويلة يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وضعف الاستثمار، وتراجع الابتكار، وهي عوامل تعيق أي عملية تعافٍ اقتصادي مستدام.
التحويلات الخارجية..
رئة الاقتصاد لا قلبه
أصبحت التحويلات المالية القادمة من السوريين في الخارج أحد أهم مصادر السيولة داخل البلاد. ففي كثير من المدن، تعتمد آلاف الأسر على الأموال التي يرسلها أقاربهم العاملون في أوربا أو الخليج أو دول الجوار.
هذه التحويلات أسهمت في تخفيف حدة الفقر، ودعمت الاستهلاك المحلي، لكنها لم تنجح في تحويل الاقتصاد من اقتصاد معتمد على الإنفاق إلى اقتصاد منتج.
فالتحويلات، بطبيعتها، تمثل دخلاً خارجياً لا يرتبط بالنشاط الاقتصادي المحلي، ولذلك فإنها تساعد على استمرار الاستهلاك، لكنها لا تخلق مصانع جديدة، ولا تزيد الصادرات، ولا توفر وظائف واسعة النطاق.
كما أنها تخلق تفاوتاً اجتماعياً بين الأسر التي تمتلك مصادر دخل خارجية، وتلك التي تعتمد بالكامل على السوق المحلية، ما يزيد من اتساع الفجوات الاقتصادية داخل المجتمع.
المدن.. مختبر الأزمة السورية
تكشف المدن السورية اليوم عن الوجه الأكثر وضوحاً للأزمة الاقتصادية. فقد تغيّرت أنماط الحياة بصورة ملحوظة، مع تراجع الطبقة الوسطى، وارتفاع معدلات الفقر الحضري، وتزايد الاعتماد على شبكات التضامن العائلي والمساعدات والتحويلات.
كما شهدت المدن تغيرات في سوق العمل، فقد أصبحت الوظائف المؤقتة والمرنة أكثر انتشاراً من الوظائف المستقرة، بينما تراجعت قدرة القطاعات التقليدية على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
هذه التحولات تؤثر لا في الاقتصاد وحده، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها، من خلال تأخير الزواج، وتراجع معدلات الإنجاب، وارتفاع معدلات الهجرة، واتساع الشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل.
إعادة الإعمار تبدأ بالثقة
يرتبط الحديث عن إعادة إعمار سورية غالباً بمشروعات الإسكان والبنية التحتية، غير أن الخبراء الاقتصاديين يشيرون إلى أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الثقة.
فلا يمكن للاقتصاد أن يجذب الرساميل أو يحقق معدلات نمو مرتفعة دون مؤسسات مستقرة، وتشريعات واضحة، ونظام مصرفي فاعل، وإدارة عامة قادرة على تنفيذ السياسات الاقتصادية بكفاءة.
كما أن إعادة بناء الثقة لا تقتصر على المستثمرين، بل تشمل المواطنين أنفسهم، الذين يحتاجون إلى الشعور بأن العمل والإنتاج والادخار يمكن أن يقودوا إلى مستقبل أكثر استقراراً.
فرصة تاريخية..
لكنها ليست مضمونة
تمثل المرحلة الحالية فرصة نادرة لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي السوري، بعيداً عن التشوهات التي راكمتها سنوات الحرب والانكماش. غير أن استثمار هذه الفرصة يتطلب رؤية تنموية شاملة، تضع الإنتاج، والتعليم، والبنية المؤسسية، والعدالة الاجتماعية في صدارة الأولويات.
فالاقتصادات الخارجة من النزاعات لا تنهض عبر الإنفاق وحده، بل من خلال بناء مؤسسات قادرة على استعادة الثقة وتحفيز الاستثمار وخلق الوظائف. وهذا يتطلب إصلاحات عميقة، تتجاوز المعالجات قصيرة الأجل، نحو إعادة تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.
اقتصاد ينتظر أكثر من الهدوء
لقد توقفت الحرب في سورية، لكن الاقتصاد لا يزال يعيش آثارها اليومية. فالأسواق تتحرك، والمحال تفتح أبوابها، والناس يواصلون حياتهم، إلا أن هذا النشاط يخفي واقعاً أكثر تعقيداً؛ اقتصاداً يسعى إلى البقاء أكثر مما يسعى إلى النمو.
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام سورية اليوم لا يتمثل في إعادة تشغيل الاقتصاد فحسب، بل في إعادة تعريفه. فالبلاد تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على التكيف مع الأزمات إلى اقتصاد قادر على إنتاج الثروة وخلق الفرص واستعادة الثقة. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى السوريون يعيشون في بلد ينجو كل يوم، لكنه لم يغادر بعد دائرة الأزمة.