فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار
د. أحمد ديركي:
فالوزارة سمحت لهذه (المعلومات) بان تنشر ولا نعلم بما لم تسمح به! وبخاصة أن الصهيوني إيرليخ خدم.. لمدة ثلاثين عاماً في قسم المخابرات وتقاعد سنة 1994. ص. 7
تقاعد لكنه لم يتفرغ للكتابة، كما يفعل كثير من أفراد الطبقة البرجوازية محاولين تخليد أسمائهم من خلال الكتابة عن إنجازاتهم الطبقية، فإيرليخ الصهيوني استكمل عمله في استكمال احتلال فلسطين. استكمال عمله لاحتلال فلسطين يتحقق خلال منصبه الراهن، فهو يتولى حالياً منصب مدير مركز مائيرعميت لشؤون الأمن و(الإرهاب) الذي تأسس سنة 2000 بهدف جمع المعلومات المتعلقة بـ(الإرهاب) وتحليلها، وتقديم الدراسات والاقتراحات للأجهزة الأمنية والسياسيةالصهيونية. ص. 7.
فبعد أن صُقل الصهيوني إيرليخ في عمله الاستخباراتي تقاعد ليوظف خبراته الإجرامية الاستخباراتية في هذا المركز الصهيوني. المضحك هنا مسألة (الإرهاب). فالكيان وبدعم كامل من الركائز الثلاث يعملون، منذ بداية التفكير بغرسه في أرض فلسطين، على تصوير كل فعل مقاوم لاحتلاله، المتمثل بدعم الصهيونية والإمبريالية والأنظمة العربية الرجعية، على أنه فعل (إرهابي). بعملهم، أي الركائز الثلاث، المشترك والمنسق بينهم حولوا كل فعل إرهابي من قِبلهم وقمع الشعوب وإبادة شعوب، وفلسطين نموذج فاضح لكل هذه الأعمال الإجرامية، على أنه فعل (قانوني) لأنه (دفاع عن النفس). وهذا ما يأخذنا إلى مفهوم الدولة الحديثة بالفكر الماركسي – اللينيني.
كي لا نخرج عن الموضوع يمكن العودة إلى البيان الشيوعي والانطلاق ممّا ورد فيه حول هذه المسألة وقوله ما الدولة الحديثة إلا أداة في يد الطبقة البرجوازية.
انطلاقاً من البيان، وما بعده، يمكن التعرف على مدى (قانونية) قمع الدولة، فكيف إن كانت كياناً استعمارياً استيطانياً توسعياً في خدمة مصالح كل برجوازيات العالم. وإن تقاعد إيرليخ لكنه بقي ضمن وزارة الحرب الصهيونية لأن المركز الذي يعمل فيه بعد تقاعده تابع لهذه الوزارة، فلهذا المركز مكتب خاص في وزارة الحرب الصهيونية. ص. 7
ما يؤكد أن كل ما هو وارد في هذا الكتاب قد خضع لرقابة هذه الوزارة الصهيونية، وما كان له أن يصدر إلا بعد موافقتها، إضافة إلى تأكيد آخر وهو رقابتها على كل محتويات الكتاب وموافقتها على نشر ما ورد فيه من معلومات، كما أن الكتاب قد طبع في مطابعها.
ومسألة الاستفادة من الخبرات، وإن كانت هنا بوجهها الإجرامي والخبرة الاستعمارية، يبدو أنها مرافقة لذهنية الكيان، وهي أيضاً أوربية بامتياز، ولكنها للاسف شبه مفقودة في الذهنية العربية. المقصود تحديداً الاستفادة من الخبرات لتطوير ما هو قائم كفكرة عامة. وقد يعود هذا الأمر إلى مسألة ذهنية القبيلة أو العشيرة أو العائلة التي تعمل الأنظمة العربية على تكريسها ليكون الانتماء العشائري هو الأساس. في مقابل الانتماء إلى تحقيق الطبقة البرجوازية هو الأساس في الذهنية الأوربية، والأمريكية، وطبعاً ضمناً الكيان، وهذه هي عقلية النمط الرأسمالي بعامة.
فها هو ذا الصهيوني – البولندي إيرليخ ينتقل من موقع مخابراتي إلى آخر، فقد كان نائباً لأوري لوبراني منسق النشاطات الصهيونية في لبنان بعد اجتياح سنة 1982 في الفترة بين 1985 ولغاية 2000. ص. 7
خلال فترة خدمته هذه مع لوبراني جرت مفاوضات لبنانية صهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية، وشارك فيها إيرليخ، خلال الفترة ما بين 1991 و1993 شارك إيرليخ ضمن الوفد الإسرائيلي في المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن. ص. 7
أي ما يحدث الآن من مفاوضات بين لبنان والكيان الصهيوني برعاية الصهيو-أمريكي ليست بالمسألة المستجدة مع عدم نسيان اتفاقية 17 أيار التي عقدها رئيس الجمهورية اللبنانية أمين الجميل مع الكيان، فلبنان الرسمي، بنظامه السياسي التحاصصي الطائفي، ذو خبرة (عريقة) في التفاوض المباشر مع العدو. وكذلك واشنطن لديها من الخبرة في رعاية هذا التفاوض لتصب كل المفاوضات في مصلحة العدو لأنها الراعي الرسمي له.
المسألة الاخرى وفقاً للناشر هي أن هذا الكتاب موجه بالدرجة الأولى إلى الجمهور الصهيوني. ص. 8
لذا من المؤكد أن الجمهور العربي وتحديداً المؤيد للقضية الفلسطينية سوف يجد أمام كثير من الأمور التي لن تعجبه ولكنها سوف تمنحه نظرة أوسع حول مجريات الأمور ليكوِّن وعياً أفضل وخاصة فيما يتعلق بأشخاص برجوازيين يدّعون (خدمة) القضية الفلسطينية أو الإخلاص لفكرة العروبة أو حتى ما هو أوسع من العروبة ليصلوا إلى التغني بالديموقراطية والمساواة.. وكل هذه الشعارات البرجوازية الزائفة.
لكن لنتعرف على الصهيونية بعامة قبل الاستكمال في متابعة المسألة، رغم ارتباطها بها وهنا إشكالية التفرع، أي من دون الغوص في تفاصيل نشوء هذه الحركة، وهو أمر نعود إليه لاحقاً أو من يريد أن يأخذه على عاتقه فأهلاً وسهلاً.
سوف نعتمد، بداية، حول التعرف الحركة الصهيونية، على ما أورده الرفيق موريس نهرا في كتابه (من الحارة إلى الوطن.. موريس نهرا السيرة والتجربة). الصادر عن دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 2024.
يورد الرفيق موريس: (حمل لينين بشدة على التيارات والمنظمات التي كانت داخل الحركة العمالية والاشتراكية (كالبوند) وغيرها، مبيناً أن ما تقوم به لفصل اليهود وتمييزهم عن غيرهم من أبناء طبقتهم هو تقسيم لحركة العمال وإضعاف لها، وأن موقفها هذا ينطلق من مواقع التعصب القومي البرجوازي والعنصرية الغربية المعادية تماماً لمصلحة البروليتاريا ونضالها الطبقي والأممي)_ (ص. 225).
ما يشير بداية إلى أن هذه العصابة، الحركة العنصرية التي يُطلق عليها صهيونية، قد نشأت قبل الثورة البولشفية في روسيا وغيرت مجرى تاريخ البشرية، بكونها أول تجربة عملانية لتطبيق الفكر الماركسي وما أضافه عليه لينين لتصبح التجربة حاملة الفكر الماركسي-اللينيني.
وتبقى فلسطين بوصلة نضال التحرر الطبقي.
يتبع، وإن عجزت عن القيام بهذا العمل المضني فالباب مفتوح لمن يود الاستكمال.