الاستثمار بالمعرفة إما أن يتحقق أو نسير إلى نهاية الهاوية
يونس كامل صالح:
لقد أصبحت المعلومات وامتلاكها واستثمارها معرفة وتطبيقاً، هي الثروة الجديدة في العالم اليوم. ويشار إلى المجتمعات الأكثر تطوراً وغنى على أنها مجتمعات معرفة لا مجتمعات صناعية متقدمة. وهذا يعني أننا متأخرون حقبتين كاملتين من حقب تطور المجتمعات الحديثة إن لم نتدبر أمورنا ونلحق بمجتمع المعرفة (وقد فاتنا عملياً اللحاق بالمجتمع الصناعي المتقدم) والتأخر هذه المرة سيكون قاتلاً. فالموارد الطبيعية تتآكل وتفنى بسرعة، بدءاً من المعادن وصولاً إلى النفط.
والثروة المعرفية ستجعل من يمتلكها يعيد توظيف ما لديه من موارد مهما ندرت وشحت، بل ستوفر المعرفة إمكانيات اكتشاف مواد جديدة لا تستنزف طاقة القليل الباقي، وعلى العكس من ذلك سيكون البعيدون عن مجتمع المعرفة مستنزفون لهذه الموارد إلى حد الإهدار، ومن ثم يزدادون فقراً وبؤساً.
والسؤال المطروح كيف ينهض مجتمعنا معرفياً؟
يؤكد علماء الاجتماع أن ذلك مرتبط بتحقيق شروط قيام مجتمع المعرفة، وهي بحسب رأيهم تتلخص بخمسة شروط هي:
إطلاق حرية الرأي والتعبير والتنظيم وضمانها من خلال نظام ديمقراطي.
النشر الكامل للتعليم راقي النوعية مع إيلاء عناية خاصة لطرفي المتصل التعليمي وللتعليم المستمر مدى الحياة.
توطين العلم، وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطور التقاني في جميع النشاطات المجتمعية.
التحول الحثيث نحو نمط انتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية.
تأسيس نموذج معرفي عام وأصيل منفتح ومستنير.
خمسة بنود أو قواعد لإصلاح السياق المجتمعي من أجل اكتساب المعرفة، وتقوية منظومة اكتساب المعرفة ذاتها في مجتمعنا، وصولاً إلى الهدف وهو إقامة مجتمع المعرفة عندنا.
ففي أول البنود (حريات التعبير والتنظيم) اعتاد إنساننا أن تكون هذه مناداة للإصلاح السياسي، وهذا أمر مفهوم، أما علاقة الحريات بالمعرفة فهي دقيقة وحاسمة خاصة أن هناك التباساً تاريخياً أوحى بأن تحقيق تقدم معرفي في مجالات التقانة لمصلحة الإنتاج الاقتصادي تم في ظل (ديكتاتوريات مستنيرة) كما حدث في كوريا الجنوبية قبل استقرار الديمقراطية على سبيل المثال، أو حتى تجربة الصين تحت حكم ماوتسي تونغ وخلفائه. إلا أن ذلك لا يمد للإنجاز المعرفي إلى مجلات أساسية كالعلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون والآداب- وهي أساس لأي تقدم ونهضة معرفية- كما أن المعرفة تظل مجرد بقع منعزلة في نسيج المجتمع مما يهدد هذا النسيج بالاهتراء، وهي حال رأيناها واضحة ونراها اليوم في مواقع حققت قفزات معرفية في جوانب التسليح، ولكنها تركت قطاعات عريضة من شعوبها تعاني الجهل والفقر والمرض.
إذاً، الحرية هي شرط أساسي، لا هي شرط حياة أو موت للتقدم المعرفي الصحيح.
أما ما يتعلق بالبندين الثاني والثالث من أركان قيام مجتمع المعرفة، فإنهما مرتبطان معاً ارتباطاً وثيقاً، وهما متكاملان، فإذا كان (الإنسان معيار الأشياء جميعاً) كما قال الإغريق، فإن هذا ينطبق أكثر ما ينطبق على منظور التنمية الإنسانية. وبديهي أن التعليم هو صلب عملية تنمية الإنسان، والمعرفة هي أداة التعليم المأمول، وكلاهما- التعليم والمعرفة- ليسا سلعاً تستورد شأنها شأن السيارات أو الملابس، بل هما مرتبطان عضوياً بثقافة وبنى مؤسسية وأنشطة لا بد أن تغرس في واقع مجتمعي بشري محدد، حتى تنمو متلائمة مع هذا الواقع. ومن هنا وقبل الحديث عن العلم، من الضروري الحديث عن توطينه، فالتوطين هو الأصعب، لأنه يتطلب أولاً اصلاحاً جذرياً للتعليم عموماً، ويتطلب ثانياً نسقاً للابتكار يتخلل النسيج المجتمعي بكامله متواصلاً مع امتدادات عالمية.
أما العلم نفسه فإصلاحه وتطويره ليسا في حاجة إلى الكثير من الإيضاح، إذ إن الداء الذي أصاب التعليم عندنا ظاهر، وأبسط وسائل العلاج هو إقامة النقيض لأسباب الداء، ومنها القضاء على أشكال الحرمان في التعليم الأساسي، والتخلص من عار الأمية المنتشرة، وترقية نوعية التعليم لاكتساب قدرات جديدة وملكات التحليل والنقد التي تؤسس للإبداع والابتكار، وإنشاء مؤسسات مستقلة للتعليم العالي تهدف إلى إعداد مواطنين أكفاء لمجتمع المعرفة.
إذاً، المعرفة لم تعد بضعة كتب أساسية وإضافات متفرقة كما كانت منذ عقود، فثمة انفجار معرفيّ حقيقي يولّد انفجارات معرفية إضافية في كل يوم وساعة، وهذه ليست مجرد عمل ذهني بشري، فهي بنية فوقية تتغذى على بنى أخرى تحتها ومن حولها سياسية بالدرجة الأولى، واقتصادية واجتماعية. وفي مجال الاقتصاد المواكب لمجتمع المعرفة نحتاج إلى تطوير وجود أقوى في الاقتصاد ويدفع بالاستثمار الجديد- استثمار المعرفة- حيث القيمة المضافة أعلى وأسرع نمواً.