فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

د. أحمد ديركي:

نعم، كل هذه الأحداث وسفك الدماء، حلها يبدأ من تحرير فلسطين. وللتوضيح، عند الحديث عن فلسطين، لا نقصد حل الدولتين، بل تحرير كامل أرض فلسطين، لأن حل الدولتين هو تكريس للمفهوم الاستعماري. يتوقف كل هذا عندما يكون حل القضية الفلسطينية قائماً على نضال أممي يحمل فكراً أممياً ليصل إلى كل بقاع الأرض.

من فلسطين ننطلق، وإلى فلسطين نعود. ومنها ندخل إلى لبنان، بنظامه السياسي التحاصصي الطائفي. فهذا النظام لن يكون يوماً مقاوِماً؛ بل هو نظامٌ كلُّ طائفةٍ فيه تتبع قوةً خارجية. وحين نشطت مقاومتُه الوطنيةُ سابقاً، تحالَفَتْ عليها الركائزُ الثلاثُ وكادتْ أن تقضيَ عليها. لكن ما دام هناك احتلال، فهناك مقاومة. فتحوَّلت المقاومة في لبنان إلى مقاومة طائفية، وبذلك أصبحت مقاومةً سلطويةً تحاصصيةً طائفية، لأنها نابعة من بنية هذا النظام. وهنا يكمن مأزق المقاومة الراهنة، بصيغتها الطائفية السلطوية. وهو أيضاً مأزق المقاومة في فلسطين بصيغتها الراهنة (حماس).

كما نجحت هذه الركائز الثلاث في تحويل المقاومة الوطنية إلى مقاومة طائفية في تحويل مقاومة الكيان من مقاومة أممية إلى مقاومة تنحصر في بُعد مذهبي ضمن دين محدّد، مُقصيةً اللبنانيين أبناء الأديان الأخرى والمذاهب الأخرى عن الانخراط فيها لأن كل طائفة تريد الاستحواذ على هذا اللقب، أي أنها مقاومة، لتحقيق هدف زعمائها البرجوازيين في المواقع السلطوية.

هذا الانحصار ضمن مذهب معين أعطى الكيان الصهيوني صورة وكأنه ليس حركة استعمارية استيطانية عنصرية، بل وكأنه كيان (ديني) مهدد من قبل مقاومة هذه المذاهب التي صنعتها الركائز الثلاث، وفي الوقت عينه صبغت الكيان بصفة (ديمقراطي) صاحب حق في الدفاع عن نفسه أمام هذه الهجمات (الإرهابية) المذهبية التي تريد القضاء عليه لأنه مختلف عنها مذهبياً أو ديناً، وليس لأنه محتل لأرض فلسطين.

فحولت هذه الركائز الثلاث المقاومة، مقاومة المحتل لأرض فلسطين، إلى أنها فعل (إرهابي)، وحوّلت فعل الاحتلال والاستيطان والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، وغير الفلسطيني، وما فعله جيش الاحتلال في القرى اللبنانية في الجنوب صُنّف على أنه جريمة حرب وإبادة جماعية لسكانها، حولت أفعاله الإجرامية إلى فعل (مقاوم)، أو كحد أدنى (دفاع عن النفس) بجيش له سُمّي بالاسم عينه ليؤكد تشويه الحقائق.

لم يكن لكل هذا أن يحدث بين ليلة وضحاها، أو ليحدث عشوائياً. بل هو عملية ممنهجة تراكمية ناجمة عن تطور نمط الإنتاج الرأسمالي وانتقاله من مرحلة النشوء إلى مرحلة التوسع والحاجة إلى وجود أسواق خارجية ومواد خام لنهبها.. فبدأت عملية الاستعمار، وقد تكون الهند والاستعمار البريطاني لها نموذجاً لبداية الاستعمار الأوربي لدول العالم.

ثم تطور الاستعمار إلى مرحلة الإمبريالية، بالمعنى الذي فسرها به لينين، وهنا فلسطين ومحاولات غرس الكيان الصهيوني فيها نموذجاً لتطور مفهوم (المستعمرات) وتحوله إلى (استيطان).

لفهم هذا المسار الإمبريالي وتحديداً ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، يمكن العودة إلى بابه لنفتح معه أبواب هذا البحث للعمل على مقاربة الكيان والكشف عن أكاذيبه وتزويره للتاريخ ومدى دعم الركائز الثلاث له، وسوف نكمل معه. كما كنا قدر مررنا على مؤلف ماركس، في المسألة اليهودية، كما تطرقنا قليلاً إلى مؤلف الخالدي، كي لا ننسى، وخلال العمل صدر كتاب حديثاً، تعرفت عليه بالصدفة، وعنوانه (المتاهة اللبنانية).

مؤلف ليس كغيره من المؤلفات التي نعمل عليها، فهو كتاب داعم وبشكل مطلق الكيان. لكن أهميته تكمن في أنه يفتح أفق أمام من يود أن يتعرف كيف لهذا الكيان أن يكون من خلال الفكر العنصري الاحتلالي الذي يحمله مفكروه كياناً استعمارياً استيطانياً عنصرياً. لذا سوف يدخل هذا المؤلف ضمن العمل على كشف أكاذيب الكيان، لمقاومته بشكل أوضح ولتحرير كامل تراب فلسطين، ومنها لاستكمال النضال لتحرير كل شعوب العالم المضطهَدة. لذا الفكر الثوري الأممي القائم على الأسس الماركسية – اللينينية لا يفصل بين التحرير والتغيير.

كما أن هذا الكتاب يتقاطع مع بابه والخالدي في مرحلة تاريخية معينة من تاريخ احتلال فلسطين.

نبذة عن الكتاب:

المؤلف: رؤوفين إرليخ

العنوان: المتاهة اللبنانية، سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان (1918 – 1958)

تعريب: محمد بدير

صدرت الطبعة العبرية عن دار معرخوت ووزارة الحرب الصهيونية، كانون الثاني 2000.

الطبعة العربية الثانية – منقحة 2024.

لا ذكر لاسم دار النشر العربية.

يوقع الناشر تحت عنوان (تعريف الناشر)

مؤلف هذا الكتاب الذي صدر بالعبرية عن وزارة الحرب الصهيونية في كانون الثاني 2000 هو رؤوفين إيرليخ: جنرال صهيوني بولندي الأصل مختص في الشؤون اللبنانية والسورية والفلسطينية. ص. 7

بعيداً عن الاخطاء المطبعية في الكتاب، فتارةً يُكتب رؤوفين وتارة يُكتب رؤفين، ما يهمنا هو ما يورده الكتاب.

يوجد نقطتان أساسيتان في هذا الاقتباس. الأولى هي أن مؤلف الكتاب (مواطن) بولندي. أي بولندي الجنسية يحمل الفكر الصهيوني غادرها، ربما من غادرها هما والداه، وهو ولد في فلسطين المحتلة، يأتي إلى فلسطين ويقتل شعبها ويحتل أرضها ويقول هذه الأرض (ملكي)، أي يحق لي بناء الكيان الاستعماري عليه، وهنا يمكن أن نطرح السؤال التالي:

بولندا تقع في أوربا، إلا إذا زورت الحقائق التاريخية والجغرافية من قِبل الكيان إلى حد أصبحت فيه بولندا إحدى مدن فلسطين المحتلة، والمظهر المعطى لأوربا على أنها بلاد (ديمقراطية) وطموح كثير من الشعوب الفقيرة هو الهجرة إليها للعيش فيها والتنعم بـ(رفاهية) الحياة البرجوازية والتمتع بـ(الديمقراطية)، فكيف لـ(مواطن) بولندي أن يُهاجر إلى فلسطين، آنذاك، وهي دولة لا تتمتع بأي صفة من الصفات المتوهمة لدول أوربا؟

والسؤال الثاني: لماذا يترك (مواطن) بولندي بلده، أرض أجداده، وثقافته ولغته وتاريخه.. ويرحل إلى بلد آخر ويقتل سكانها ويحتل أرضها، كما فعل الأمريكيون في أرض أمريكا وقالوا إن هذه هي أرضنا أرض الولايات المتحدة الأمريكية الدولة (الديمقراطية)؟

السؤال الثالث: كل هذا الانتقال للسكان من بلد أوربي إلى فلسطين يحتلها المستعمر الأوربي ويقتل سكانها، حدث بدعم وتنظيم ليس فقط من حركة عنصرية اسمها الصهيونية، بل كان لا بد لكل هذه الحركة وتأثيراتها أن تُدعم من قبل دول وأنظمة مؤيدية لها، وإلا ما كان لها أن تنجح أو تفلت من العقاب على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني أو احتلال فلسطين، لذا هل أكذوبة تصوير أن الحركة الصهيونية من قام بكل هذه الأفعال منفردة إلا لإعطائها الصورة الأسطورية؟

للقيام بعمل كهذا لا بد من وجود محفزات قُدّمت له، أي للبولندي – الصهيوني مؤلف الكتاب، ومنها، وبشكل أساسي هو أن بولندا في حينها لم تكن قد وصلت بعد إلى مستوى دولة بالمفهوم الحديث لتكون وطناً ينتمي إليه المواطن. لأن المواطن لا يترك أرضه ووطنه ليعتاش على سفك دماء الآخرين في مكان آخر إلّا إذا كان مجرماً بعقلية برجوازية.

وربما قدّمت الحركة الصهيونية مغريات له للانتقال، هو أو والداه، إلى فلسطين ليعيش (يهوديته) في (دولة يهودية). وهنا أيضاً، فهي محفزات تتمأسس على فكر (ديني) لادعاء أن الصهيونية من أسس الدين اليهودي، لإقامة مستعمرة أصولية دينية على أرض (مقدسه) يتوهم حاملو الفكر الديني اليهودي أنها أرضهم.

مهما تعددت الإجابات التبريرية لهذا الـ(انتقال) من أوربا أو غيرها إلى فلسطين فهو انتقال احتلالي استعماري تجب مقاومته بكل الوسائل الممكنة. وهذا فعل مقاومة لا فعل إرهابي كما يصوره العالم اليوم.

أي كل الاحتمالات من انعدام مفهوم مواطن إلى إقامة مستعمرة دينية هي احتمالات استعمارية بمنهجية فكرية أوربية استعمارية ليرحل بعض سكانها، لإقامة مستعمراتهم على أرض فلسطين.

النقطة الثانية هي: الكتاب صدر بالعبرية (لا شيء اسمه لغة عبرية، بل هي أكذوبة صهيونية لمحاولة الربط بين الديانة اليهودية واللغة العبرية المُبتدعة حديثاً من قِبله. ولمزيد من التفاصيل حول هذه المسألة يمكن العودة إلى مؤلفات كمال صليبا) عن وزارة الحرب الصهيونية. أي أن كل معلومات الكتاب صدرت بعد موافقة الوزارة على صدورها. فهي معلومات مُراد أن يعرفها الجميع من قِبل وزارة حرب الكيان لتشكل قاعدة (معلومات) لمن يريد أن يتعرف على كيفية تفكير الوزارة والسلطة السياسية الحاكمة لهذا الكيان وآلية عمله. طبعاً يريد الكيان من خلال منشوراته، وبخاصة عندما يعطيها صفة (الأكاديمية)، فالكتاب على سبيل المثال رسالة دكتوراة، أن يشكل وعياً مشوهاً، وهنا نجد حلقة الوصل بين التزوير (الأكاديمي) للحقائق والسلطة السياسية واستكمال عملية تشويه الوعي بكل ما يتعلق بالكيان الاستعماري وعلاقته بقوى الإمبريالية والأنظمة العربية الرجعية.

وتبقى فلسطين بوصلة نضال التحرر الطبقي.

 

يتبع، وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني، فالباب مفتوح لمن يود الاستكمال.

العدد 1211 - 19/08/2026