رفع الرواتب الانتقائي في سوريا..  هل يُنقذ قطاعي التعليم والصحة أم يفتح باب أزمة جديدة داخل الدولة؟

سليمان أمين:

في ظل التدهور الاقتصادي المستمر في سورية، برزت خلال عام 2026 سياسات حكومية تعتمد على رفع الرواتب بشكل انتقائي لفئات محددة من العاملين في القطاع العام، خصوصاً في قطاعي التعليم والصحة، باعتبارهما من أكثر القطاعات تعرضاً للنزيف البشري والهجرة والانهيار الوظيفي خلال السنوات الماضية. ورغم أن هذه الخطوة تبدو منطقية من زاوية حماية الخدمات الأساسية ومنع انهيار المؤسسات الحيوية، فإنها في المقابل تفتح أسئلة معقدة حول العدالة الوظيفية، والتوازن داخل الجهاز الإداري للدولة، والآثار الاجتماعية والاقتصادية طويلة المدى.

ففي الاقتصادات الهشّة، نتائج السياسات المالية لا تُقاس فقط بقدرتها على تحسين دخل فئة معينة، بل أيضاً بتأثيرها على التماسك المؤسسي والاستقرار الاجتماعي. ومن هنا، يبدو أن رفع الرواتب لفئات محددة دون غيرها قد يتحول من إجراء إسعافي إلى عامل جديد لإعادة إنتاج التوتر داخل القطاع العام السوري.

 

سياسة الضرورة أم بداية التمييز الوظيفي؟

تواجه الحكومة السورية معضلة حقيقية تتمثل في ضعف القدرة المالية من جهة، والانهيار المتزايد في قطاعات التعليم والصحة من جهة أخرى. فالأطباء والمدرسون كانوا من أكثر الفئات التي اتجهت إلى الهجرة أو ترك الوظيفة الحكومية خلال السنوات الماضية، بسبب تدني الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي هذا السياق، جاء رفع الرواتب كجزء من محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الكوادر داخل المدارس والمستشفيات الحكومية. إذ باتت بعض المؤسسات التعليمية والصحية تعاني فعلياً من نقص حاد في الكفاءات، خصوصاً في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى.

لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ دعم هذه القطاعات بحد ذاته، بل في الطريقة التي يجري بها ذلك. فعندما يحصل موظفو التعليم والصحة على زيادات ملموسة، بينما تبقى رواتب باقي العاملين في الدولة عند مستويات متدنية للغاية، يبدأ شعور واسع بالتمييز الوظيفي داخل المؤسسات العامة.

هذا الشعور لا يرتبط فقط بالفارق المالي، بل أيضاً بالإحساس بأن الدولة باتت تقسم موظفيها إلى فئات أكثر أهمية وأخرى أقل أولوية، وهو تحول حساس في جهاز إداري يقوم تقليدياً على فكرة المساواة الشكلية في الامتيازات والحقوق.

 

تآكل التضامن داخل القطاع العام

خلال العقود الماضية، شكّل القطاع العام السوري شبكة استقرار اجتماعي واسعة، حتى وإن كانت الأجور منخفضة نسبياً. لكن الأزمة الاقتصادية الطويلة أضعفت هذه الوظيفة تدريجياً، ومع ظهور سياسات الرواتب الانتقائية، يزداد خطر تفكك التضامن الداخلي بين العاملين في مؤسسات الدولة.

فالموظفون في القطاعات الإدارية والخدمية الأخرى، مثل البلديات والزراعة والاتصالات والدوائر المالية والقضائية، يواجهون الظروف المعيشية نفسها تقريباً، من تضخم وارتفاع أسعار وانخفاض القدرة الشرائية، لكنهم لا يحصلون على الامتيازات ذاتها.

ومع الوقت، قد يؤدي ذلك إلى شعور متنامٍ بالإحباط وفقدان الحافز المهني، خصوصاً لدى الموظفين الذين يعتبرون أنفسهم مهمّشين مالياً رغم استمرارهم في أداء وظائفهم. وفي بيئات اقتصادية متوترة، يصبح هذا الإحباط عاملاً مؤثراً في انخفاض الإنتاجية وتراجع الانضباط الإداري وارتفاع معدلات الفساد الصغير.

كما أن التفاوت داخل القطاع العام قد يعمّق الميل نحو البحث عن مصادر دخل غير رسمية، سواء عبر الأعمال الجانبية أو الرشاوى أو الاقتصاد الموازي، وهو ما يضعف فعلياً قدرة المؤسسات الحكومية على العمل بكفاءة.

 

أثر اقتصادي محدود ومؤقت

اقتصادياً، تبدو فعالية رفع الرواتب الانتقائي محدودة إذا لم تترافق مع إصلاحات أوسع. فزيادة الأجور في بيئة تضخمية لا تعني بالضرورة تحسناً دائماً في مستوى المعيشة، خصوصاً إذا لم يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج أو استقرار نقدي.

وفي الحالة السورية، لا تزال الأسواق تعاني من ضعف العرض وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والاستيراد، ما يجعل أي زيادة في الدخول معرضة للتآكل السريع بفعل التضخم. وبالتالي، فإن الزيادات الممنوحة لبعض الفئات قد تتحول خلال أشهر إلى مكاسب شكلية لا تغيّر الواقع المعيشي بصورة جوهرية.

إضافة إلى ذلك، فإن رفع الرواتب لفئات محددة قد يخلق ضغوطاً إضافية على المالية العامة، خصوصاً في ظل ضعف الإيرادات الحكومية وتراجع النشاط الاقتصادي الرسمي. وهذا قد يدفع الدولة لاحقاً إلى اللجوء لخيارات أكثر صعوبة، مثل زيادة الضرائب أو تقليص الدعم أو التوسع النقدي، وهي إجراءات تحمل أيضاً آثاراً تضخمية جديدة.

 

سوق عمل أكثر اختلالاً

من النتائج غير المباشرة لهذه السياسة أيضاً إعادة تشكيل سوق العمل الحكومي بطريقة غير متوازنة. فمن الطبيعي أن يسعى العاملون إلى الانتقال نحو القطاعات التي تقدم رواتب أعلى أو مزايا أفضل، حتى لو لم تكن تلك القطاعات تتناسب مع مؤهلاتهم أو احتياجات الدولة الفعلية.

وقد يؤدي ذلك إلى اختلالات إضافية داخل المؤسسات الحكومية، فتصبح بعض القطاعات أكثر جذباً من غيرها، ليس بسبب طبيعة العمل أو الكفاءة المطلوبة، بل بسبب الفوارق في الدخل. ومع مرور الوقت، يمكن أن يتراجع الاهتمام بالوظائف الإدارية والخدمية الأخرى التي تبقى ضرورية لعمل الدولة.

كما أن التمييز المالي بين القطاعات قد يعمّق الفجوة الاجتماعية بين الموظفين أنفسهم، خصوصاً في المدن التي يعتمد جزء كبير من سكانها على الرواتب الحكومية كمصدر دخل رئيسي.

 

البعد الاجتماعي والنفسي

لا يمكن تجاهل البعد النفسي لهذه السياسات. ففي المجتمعات التي تعيش أزمات طويلة، تصبح العدالة الرمزية عاملاً لا يقل أهمية عن العدالة الاقتصادية. وعندما يشعر الموظف بأن جهده لم يعد معترفاً به مقارنة بموظفين آخرين، تتراجع ثقته بالمؤسسة وبفكرة الاستقرار الوظيفي نفسها.

هذا الشعور قد يكون أكثر خطورة في سورية، حيث يعتمد ملايين السوريين على القطاع العام بوصفه آخر أشكال الأمان الاجتماعي المتبقية. وبالتالي، فإن أي تصدعات داخل هذا القطاع تنعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي الأوسع.

وفي الوقت ذاته، فإن العاملين في قطاعي التعليم والصحة أنفسهم قد لا ينظرون إلى الزيادات باعتبارها امتيازاً حقيقياً، بل كتعويض جزئي ومتأخر عن سنوات طويلة من التدهور المعيشي. وهذا يعني أن السياسة الحالية قد لا تنجح حتى في وقف الهجرة أو تسرب الكفاءات بالشكل المطلوب.

 

الحاجة إلى رؤية شاملة

تكشف تجربة رفع الرواتب الانتقائي في سورية عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة إدارة الاقتصاد والقطاع العام في مرحلة ما بعد الحرب. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بمقدار الرواتب، بل بغياب رؤية اقتصادية متكاملة تعيد تعريف دور الدولة والإنتاج والأجور والخدمات العامة.

إن تحسين أوضاع العاملين في قطاعي التعليم والصحة ضرورة لا يمكن إنكارها، لكن نجاح ذلك يتطلب مقاربة أكثر شمولاً، تقوم على إصلاح تدريجي للأجور وربطها بالإنتاجية والتضخم، وتحسين بيئة العمل، وإعادة تنشيط الاقتصاد الحقيقي، بدلاً من الاعتماد على حلول جزئية قد تنتج توترات جديدة داخل الجهاز الحكومي.

وفي النهاية، تبدو سورية أمام معادلة معقدة: كيف يمكن إنقاذ القطاعات الحيوية من الانهيار دون خلق انقسامات أعمق داخل الدولة نفسها؟ وحتى الآن، يبدو أن الإجابة ليست سهلة ولا قريبة.

العدد 1202 - 17/06/2026