إعادة تشكيل العقد الاقتصادي في سورية..

 من الدولة الراعية إلى دولة الجباية وتراجع الدور التنموي للمؤسسات العامة

سليمان أمين:

في الاقتصادات الخارجة من النزاعات، لا يكون التحدي الأول هو إعادة بناء الطرق والجسور، بقدر ما يكون إعادة بناء العقد الاقتصادي بين الدولة والمجتمع. ففي سورية، ومع دخول البلاد مرحلة انتقالية وإعادة هيكلة المؤسسات العامة، برز تحول جوهري في طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والمواطن، انتقلت فيه الأولوية من مفهوم الدولة الراعية إلى نموذج يركز بصورة متزايدة على تعظيم الإيرادات وتغطية النفقات التشغيلية، في ظل موارد محدودة وإرث اقتصادي مثقل بسنوات طويلة من الصراع.

هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في السياسات المالية، بل أصبح انعكاساً لتغير أعمق في دور الدولة ومؤسساتها، وأثر بصورة مباشرة في مستويات المعيشة، وثقة المواطنين بالمؤسسات، وقدرة الاقتصاد على استعادة ديناميكيته.

 

الدولة الراعية.. نموذج يتآكل

لعقود طويلة، اعتمدت الدولة السورية على نموذج اقتصادي يقوم على تقديم الدعم المباشر للسلع الأساسية والطاقة والخدمات العامة، مقابل دور واسع للقطاع العام في التشغيل والإنتاج. ورغم ما واجهه هذا النموذج من اختلالات هيكلية وضعف في الكفاءة، فإنه وفر شكلاً من أشكال الحماية الاجتماعية وربط شرعية المؤسسات بقدرتها على تقديم الخدمات.

لكن سنوات الحرب والعقوبات وتراجع الإنتاج المحلي واستنزاف الموارد المالية أدّت إلى تآكل هذا النموذج تدريجياً، فوجدت الحكومات المتعاقبة نفسها أمام معادلة صعبة: زيادة الإنفاق الاجتماعي مع تقلص الإيرادات، أو تقليص الدعم والبحث عن مصادر دخل جديدة.

في المرحلة الانتقالية، أصبح الخيار الثاني أكثر حضوراً، فتحولت الرسوم والضرائب وأجور الخدمات إلى أحد أهم مصادر التمويل، بينما تراجعت قدرة الدولة على الاستمرار في تقديم الدعم التقليدي.

 

الجباية كأداة لإدارة الأزمة

من منظور اقتصادي، لا تعد زيادة الإيرادات العامة أمراً سلبياً بحد ذاته، بل تمثل أحد أسس الاستقرار المالي. إلا أن المشكلة تظهر عندما تتوسع الجباية في اقتصاد يعاني من انخفاض الإنتاج وارتفاع البطالة وتراجع الدخول الحقيقية.

في المدن السورية، أصبح المواطن يواجه رسوماً متعددة للحصول على خدمات أساسية أو لإنجاز معاملات إدارية كانت سابقاً منخفضة التكلفة أو مدعومة بشكل كبير. كما ارتفعت تكاليف النقل والطاقة والمياه والاتصالات والتعليم بصورة جعلت العبء المالي ينتقل تدريجياً من الدولة إلى الأسر.

هذا التحول خلق انطباعاً متزايداً بأن العلاقة الاقتصادية الجديدة تقوم على تحصيل الإيرادات أكثر من إعادة توزيعها، وهو ما أدى إلى تراجع الشعور بأن الدولة تمثل شبكة حماية اجتماعية، خصوصاً لدى الشرائح ذات الدخل المحدود.

مؤسسات فقدت وظائفها التنموية

أحد أبرز التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية يتمثل في تغير وظيفة المؤسسات العامة. فقد أنشئت مؤسسات كثيرة تاريخياً لتقديم خدمات إنتاجية واجتماعية، والمساهمة في تحقيق التنمية المحلية، وتوفير فرص العمل، ودعم الفئات الأكثر هشاشة.

إلا أن الضغوط المالية ونقص التمويل وضعف الكفاءات الإدارية أدت إلى تحول عدد من هذه المؤسسات إلى هياكل إدارية تركز على تغطية نفقاتها التشغيلية بدلاً من تحقيق أهدافها التنموية.

في هذا السياق، تراجعت قدرة المؤسسات الزراعية والصناعية والخدمية على لعب دورها في تحفيز النمو الاقتصادي، بينما تقلصت برامج الدعم الاجتماعي والتنمية المحلية لصالح أولويات تتعلق بالاستقرار المالي قصير الأجل.

والنتيجة أن المواطن لم يعد ينظر إلى المؤسسة العامة باعتبارها منتجاً للخدمة أو شريكاً في التنمية، بل باعتبارها جهة تنظيمية أو مالية تفرض الرسوم وتدير الإجراءات.

الاقتصاد المحلي تحت ضغط مزدوج

تؤدي هذه التحولات إلى ضغوط إضافية على الاقتصاد المحلي. فمن جهة، تنخفض القوة الشرائية نتيجة ارتفاع تكاليف الخدمات والسلع، ومن جهة أخرى يتراجع الطلب الداخلي، وهو ما ينعكس على النشاط التجاري والاستثماري.

ويشير علم الاقتصاد التنموي إلى أن الاقتصادات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى سياسات توسعية تحفز الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل، لأن الاعتماد المفرط على الجباية في بيئة اقتصادية ضعيفة قد يؤدي إلى حلقة انكماشية تقل فيها الاستثمارات والاستهلاك معاً.

وتزداد هذه الإشكالية في سورية بسبب اعتماد شريحة واسعة من الأسر على التحويلات الخارجية والعمل غير الرسمي، ما يجعل أي زيادة في الأعباء المالية تؤثر مباشرة في مستوى المعيشة وفي قدرة الأسر على الإنفاق على التعليم والصحة والغذاء.

 

أزمة الثقة المؤسّسية

لا يقتصر أثر التحول الاقتصادي على المؤشرات المالية، بل يمتد إلى رأس المال الاجتماعي والثقة بالمؤسسات.

فالعقد الاقتصادي الحديث يقوم على معادلة واضحة: يدفع المواطن الضرائب والرسوم مقابل الحصول على خدمات عامة ذات جودة، وبنية تحتية فعالة، وفرص اقتصادية متكافئة.

وعندما يشعر المواطن بأن مساهماته المالية لا تنعكس في تحسين مستوى الخدمات أو في تعزيز التنمية المحلية، تبدأ الثقة بالمؤسسات في التراجع، ويتوسع الاقتصاد غير الرسمي، وتنخفض معدلات الامتثال الضريبي، وتزداد الفجوة بين الدولة والمجتمع.

وتظهر التجارب الدولية أن إعادة بناء الثقة بعد النزاعات لا تتحقق عبر التشريعات وحدها، بل من خلال مؤسسات قادرة على تقديم نتائج ملموسة وتحقيق العدالة في توزيع الموارد والأعباء.

 

هل يمكن استعادة الدور التنموي للدولة؟

إعادة بناء الاقتصاد السوري لن تعتمد فقط على حجم التمويل أو المساعدات الدولية، بل على إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها.

فالسياسات التنموية المستدامة تتطلب الانتقال من نموذج إدارة العجز المالي إلى نموذج إدارة النمو الاقتصادي، عبر دعم القطاعات الإنتاجية، وتحفيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع الاستثمار في التعليم والبنية التحتية، وإعادة تأهيل المؤسسات العامة لتكون أدوات تنمية لا مجرد جهات إدارية.

كما أن إصلاح النظام المالي ينبغي أن يقوم على توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الكفاءة والشفافية، بدلاً من زيادة الأعباء على الفئات ذات الدخل المحدود.

 

ختاماً

تكشف المرحلة الانتقالية في سورية عن تحول عميق في العلاقة الاقتصادية بين الدولة والمواطن. فبين نموذج الدعم التقليدي الذي تراجع بفعل الأزمات، ونموذج يعتمد بصورة أكبر على الجباية لتأمين الموارد، تقف المؤسسات العامة أمام اختبار تاريخي يتعلق بقدرتها على استعادة دورها التنموي والخدمي.

وفي نهاية المطاف، لن يقاس نجاح أي سياسة مالية بحجم الإيرادات التي تجمعها الدولة، بل بقدرتها على تحويل تلك الإيرادات إلى استثمار في الإنسان والإنتاج والمؤسسات، بما يعيد بناء الثقة ويؤسس لعقد اقتصادي جديد يوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية والتنمية طويلة الأجل.

 

العدد 1202 - 17/06/2026