حياة ما بعد التقاعد
المتقاعدون في الدول المتطورة والمتقدمة هم من كبار القدر ويوضعون في مرتبة الحكماء والنبلاء
الدكتور سلمان صبيحه:
يرى كثيرون أن بلوغ الإنسان سن التقاعد في البلدان النامية، هو مأساة كبرى وكابوس ثقيل لا مفر منه، وأن التقاعد هو قدر مثل الموت (كاس على كل الناس)، وأن مرحلة التقاعد هي نهاية الحياة، مغيّرين التسمية لتصبح (مُت قاعداً).
طبعاً هذا الكلام غير صحيح بتاتاً، بالرغم من وجود مخاوف جدية ومحقة لدى المتقاعدين وخاصة في البلدان النامية، فهم يعانون من ضعف القدرة الشرائية لرواتبهم، وعدم تناسبها مع متطلبات الحد الأدنى للمعيشة، وغياب التأمين الصحي اللازم والضروري لهم، إضافة إلى العديد من المنغصات والمتاعب التي تعترض حياتهم التقاعدية الجديدة، إلا أنه من المفترض أن تكون الحياة بعد التقاعد، حياة هادئة وسعيدة، يشعر فيها المتقاعد بالرفاهية ليتمتع بها فيما تبقى من عمره، بعد أن يكون قد قدم أجمل سنوات حياته وأفنى زهرة شبابه في خدمة الشعب والوطن، ومن حقه الطبيعي أن يرتاح ويسلّم الراية بكل إخلاص وأمانة للجيل الذي يليه .
إن احترام أهلنا وإخوتنا المتقاعدين والمتقاعدات وتلبية مطالبهم ومتطلباتهم واحتياجاتهم والاعتناء بهم هو حق لهم على الدولة والمجتمع، ومن واجب أي دولة أن تكرم وتحترم عمالها وموظفيها السابقين.
هناك بعض الدول في العالم تقدّر المتقاعدين والمسنّين وتعتبرهم (بركتها) ومن كبار القدر عندها، وتضعهم بمنزلة الحكماء والنبلاء، ويحظون بالتقدير والاحترام والرعاية الصحية الإجبارية، فبعد أن يحال الشخص هناك على التقاعد يتضاعف راتبه مباشرة، ويأخذ تعويضات ومستحقات مجزية، ويوضع للمتقاعدين برامج إلزامية صحية وترفيهية وسياحية وكلها تقدم لهم مجاناً أو وفق حسومات كبيرة، ويحظون بمعاملة خاصة، وكذلك يقدم لهم تخفيضات كبيرة على مختلف السلع والخدمات وعلى أسعار بطاقات السفر والمواصلات العامة المختلفة، وعلى بطاقات الدخول إلى المسارح والحفلات، ودور الاستجمام والراحة، وهناك قوانين وأنظمة وتعليمات مشددة، تمنع منعاً باتاً الإساءة للمسنّين والمتقاعدين.
طبعاً في تلك الدول يُرفع سن التقاعد باستمرار، وهنا تحديداً نرى التباينات والمفارقات العجيبة والمدهشة بين الدول، ففي الدول النامية يناضل العمال لإطالة سن التقاعد، بينما في الدول المتقدمة يناضل العمال لتخفيض سن التقاعد.
لذلك فلا عجب أن نرى العامل أو الموظف في الدول المتقدمة والمتطورة لا يصدق متى سيحال على التقاعد، لأنه سيعتبر نفسه ولد من جديد، وسيشعر بالراحة والرفاهية وبسعادة غامرة وفرح لا يوصف.
أما في الدول والبلدان النامية نجد العكس تماماً، فعندما يحال الشخص على التقاعد، يشعر أنه أُحيل إلى مستودع المواد عديمة النفع والمنتهية الصلاحية، والتي تنتظر أمين المستودع لجردها والتخلص منها بأقرب فرصة، لذلك يحاول المتقاعد في هذه الدول بشتى الطرق والأساليب تمديد فترة عمله والاستمرار في الوظيفة سنة أو سنتين، لأنه يعلم علم اليقين، أنه عندما يحال على التقاعد، سيتحول مباشرة من طبقة البؤساء إلى طبقة التعساء، فراتبة سيقل فوراً، وكل الميزات التي كان يتمتع بها ستسحب منه بما في ذلك التأمين الصحي، وسيجد نفسه وحيداً في مهب الريح يواجه ويصارع من أجل البقاء على قيد الحياة.
من جهة أخرى يؤكد الخبراء والمختصون بشؤون المتقاعدين، بأن ثمة كثيرين من المتقاعدين في الدول النامية والمتخلفة، لا يستوعبون بأن الحال قد تغير وتبدلت المعطيات، الأمر الذي انعكس سلباً على ما كان يسمى عندهم الأصدقاء الأوفياء، والذين كانوا لا يفارقونهم، عندما كانوا على رأس عملهم، وخاصة إذا كانوا من أصحاب المواقع المهمة والمراكز الحساسة، فكنا نرى هؤلاء المرتزقة دائماً حول هذا المسؤول السابق أو ذاك، محيطين به كالذباب على صحن حلوى، ويقدمون له فروض الطاعة والولاء والمديح باستمرار، ولكن وبمجرد أن يحال هذا الشخص على التقاعد تنقلب الأمور عندهم ، وتتبدل ولاءاتهم ويظهر حقدهم المخفي والدفين، وكذلك تتغير علاقات الأقارب والجيران ويقل التواصل معه، كذلك يميل زملاء العمل إلى الابتعاد مباشرة عنه لانقطاع المصلحة المشتركة، وتظهر (غربلة) اجتماعية عجيبة تكشف الصداقات الحقيقية وتفرض واقعاً جديداً يتطلب التكيف مع احتمال الشعور بالوحدة أو الإهمال بسبب قطع العلاقة معه، وهو ما يُعرف بـ (الابتعاد الصامت)، وتوقف المجاملات والزيارات من قِبل من كانوا يستفيدون من مركز المتقاعد السابق.
لذلك على المتقاعد الواقعي أن يبتعد عن الرومانسية الوظيفية، خاصة أولئك النرجسيون، فالصدمة عليهم تكون شديدة، لأنهم سيدركون ولو متأخراً.
إن زمن النفاق والتملق قد ولى إلى غير رجعة وعلى المتقاعد أن يتقبل الواقع، وألّا يتوقع استمرار الجميع بعلاقتهم معه كما كانت سابقاً، ويجب التركيز فقط على من بقي وفياً وصديقاً مخلصاً له بكل الظروف وليس بحسب الظروف، وبقي يبادر بالمحبة وبالوفاء.
أما بالنسبة للمتقاعدين السوريين الغالين زملائنا وإخوتنا الكرام، هؤلاء الذين قدّموا، أيام شبابهم، كل إمكانياتهم ووضعوها في خدمة البلاد والعباد، وبُني المجتمع على أكتافهم، فإنهم يستحقون كل الاهتمام والرعاية، وهم بالأساس لا يطالبون إلّا ببعض حقوقهم فقط وأهمّها حالياً:
١- منحهم راتباً تقاعدياً كافياً وزيادته باستمرار، ليواكب الارتفاعات المتزايدة لأسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، وليلبي متطلبات الحياة اليومية الضرورية، حتى يستطيعوا أن يعيشوا مع أسرهم بكرامة.
٢- تشميلهم بالتأمين الصحي الإلزامي المجاني، وتقديم الخدمات الضرورية والرعاية الصحية والدوائية والاجتماعية اللازمة لهم.