الأم والأعيـــــــــاد

د. نديم دندن:

في آذار شهر الخير والعطاء والولادة والربيع تتجلى في هذا العام عناوين مختلفة ومناسبات عدة، من يومه الثامن (عيد المرأة) ثم عيد المعلم إلى عيد الفطر السعيد اليوم إلى عيد الأم غداً، والانقلاب الربيعي في الـ٢١ منه وفي اليوم ذاته أيضاً عيد النيروز، أعياد وطنية وقومية ترتكز على الأصالة في المرأة والتعليم والتنشئة للمعلم والإيمان في الفطر السعيد وعلاقة الابن بأمه التي ولدته وربّته ونشأته.

فالأم هي الحبل السري لتوالد الأجيال وتوارثها عبر الأزمنة منذ بدء الخليقة الأزلي إلى السرمدية، هي علاقة بيولوجية بين الوليد وأمه، فقد احتضنته في رحمها حتى خرج وأبصر النور، ثم احتضنته حياتياً حتى اشتد ساعده ثم اجتماعياً حتى بلغ الرشد، ثم وجودياً حتى آخر العمر، ثم احتضنته غيبياً بعد رحيلها حتى بلغ اليأس ثم رحيله.. وبقي هو الابن وهي الأم التي تقدس إسمها في عقله ووجوده وتفاصيل حياته.

تربعت الأم على عرش الكون واحتلت مواقع القداسة، فكانت الأم منذ أزمنة بعيدة موضع حب ورغبة وخوف ورهبة في آن واحد، ولعبت دور المعلم في تاريخ الأساطير القديمة، تمثلت في (إنانا) رمز الطبيعة والخصب، وفي أسطورة التكوين البابلية (الأم الأرض)، وعشتار التي تقابل (إنانا)، وفي الحضارة الكنعانية كانت الأم الكبرى هي (عناة)، ولدى الإغريق ظهرت شخصية الأم في (أفروديت) وفي الحضارة الرومانية تمثلت في (فينوس). وبمتابعة الصيرورة التاريخية نجد إعلاء الثقافة الأمومية في الحضارات المختلفة، فالمجتمع المصري قرابة أربعة آلاف سنة من تاريخه الفرعوني كان الكرسي الملكي يتوارث عبر سلسلة النسب الأمومي، حتى البحر المتوسط ظلت ثقافة الأمومة أساساً للمجتمع في جزيرة كريت منذ ١٤٠٠ ق.م، حتى أواسط الألف الثاني ق.م. وفيما يتعلق بالقارة الإفريقية أثبت توارث كنية الأم في النظام الأمومي، وله الغلبة بوصف الأم مصدر الحياة الأسمى وحارسة البيت، وهي السلطة فيه.

أما في الحضارة الصينية فقد كان فيلسوفها الأشهر (كونفوشيوس) قد أولى الأم احتراماً عظيماً عكس قيمة الأم في تقديمها ثراء إنسانياً وعمرانياً ضارباً في عمق التاريخ الصيني.

وفي الأديان السماوية.. ففي التوراة كرمت المرأة بوصية أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك، وفي المسيحية كرمت الأم لدورها في حياة الإنسان، فالسيدة مريم أم المسيح عكست أروع معاني الأمومة والبذل والعطاء، والدين الإسلامي شدد على قيمة الأم وضرورة معاملتها بأرقى تقدير واحترام لما تبذله في سبيل إسعاد الأسرة وفلاح المجتمع.

أما ما يتعلق بآراء أصحاب الفكر والفلاسفة من مختلف المدارس والتوجهات والثقافات وأمثال الشعوب فقد اتفق الجميع على مكانة الأم واعلاء شأنها.. لا حياة سوية للإنسان إلا بتقديره للأم وإقامة أعظم روابط البر معها.. فقد قال سقراط الحكيم: لم أطمئن قط، إلا وأنا في حجر أمي. وقال شكسبير: ليس في العالم وسادة أنعم من حضن الأم.

وقال نابليون بونابرت: إن الأم التي تهز المهد بيسارها، تهز العالم بيمينها.

وقال بيتهوفن: أرق الألحان وأعذب الأنغام لا يعزفها إلا قلب الأم.

وقال فولتير: إن المكان الوحيد الذي أستطيع أن أسند رأسي إليه وأنام فيه مرتاحاً مطمئناً هو حجر أمي.

أما مكسيم غوركي فهو القائل عن الأم في روايته الشهيرة: فلنرفع أصواتنا تمجيدا للأم، ينبوع الحياة المنتصرة على الدوام، الينبوع الذي لا ينضب له معين فلننشد تسابيح التمجيد لها.. هي الأم القوة الوحيدة التي يحني الموت رأسه أمامها في اتضاع.

فرواية (الأم) للأديب الكبير الروسي غوركي لم تكن مجرد عمل أدبي بقدر ما كانت لوحة تصويرية لحياة الطبقة العاملة في روسيا القيصرية، من خلال شخصية الأم وابنها، حيث يعبر مكسيم غوركي عن قوة الإيمان بالعدالة والتضحية في سبيل المبادئ العليا.. لقد جسدت الرواية كفاح الطبقات المسحوقة ونضالها من أجل حقوقها الأساسية، وأبرزت أهمية الوعي الجماعي والعمل المشترك في مواجهة الظلم والطغيان.

إن (الأم) ليست مجرد رواية أم عادية؛ وإنما هي رمز لكل أم وكل شخص يناضل من أجل مستقبل أفضل.. وتظل هذه الرواية خالدة في الأدب العالمي وفي عيد الأم خاصة لدى الأم السورية، لتلهم الأجيال وتذكرهم بأن الأمل والتغيير يبدأان من الإيمان بالقضية المحقة والعمل الدؤوب لتحقيقها. وفي عيدي الفطر السعيد والأم نحن الأبناء والبنات نوصيكن أيتها الأمهات أن تكن الخير وتبقين كل القوة والخير والعطاء، وأن تكن الصحة والعافية. اليوم عيد فطر يجمعنا وغداً عيد أم يكرمنا بوجودك.. أيتها الأم دمت لنا عمراً لا ينتهي!

العدد 1193 - 9/04/2026