دمشق تضيّق على نفسها.. حين تتحول القرارات الإدارية إلى أزمة هوية
قراءة جيوسياسية في قرارات محافظة دمشق واحتجاجات باب توما (آذار 2026)
سليمان أمين:
يوم الأحد 22 آذار 2026، بدا حي باب توما في دمشق وكأنه يستعيد وظيفة قديمة للمدن: أن تكون مساحة للاحتجاج الرمزي بقدر ما هي مكان للعيش اليومي. لم يكن التجمع الذي خرج إلى شوارعه مجرد اعتراض على قرار إداري يتعلق بتنظيم بيع المشروبات الكحولية، بل تعبيراً عن قلق أعمق يتصل بشكل الحياة العامة، وحدود تدخل السلطة في تفاصيلها. في مدينة طالما عُرفت بتعددها الاجتماعي والثقافي، اكتسبت هذه اللحظة دلالة تتجاوز الحدث نفسه، لتصبح مؤشراً على تحولات جارية في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
من قرار إداري إلى أزمة هوية
في ظاهره، جاء القرار الصادر عن محافظة دمشق ضمن إطار تنظيمي تقليدي: ضبط النشاطات التجارية والاستجابة لشكاوى اجتماعية. لكن سرعان ما تبيّن أن مفاعيله الرمزية تفوق بكثير مضمونه الإداري. فحين تُقيّد أنماط استهلاك مرتبطة بثقافات فرعية أو جماعات اجتماعية محددة، يتحول التنظيم إلى إعادة تعريف غير معلنة للفضاء العام.
بالنسبة لكثير من المحتجين، لم تكن المسألة مرتبطة بالكحول بحد ذاته، بل بما يمثله من حرية اختيار ونمط حياة. وفي مدينة مثل دمشق، حيث تتجاور تقاليد مختلفة ضمن نسيج حضري واحد، يُقرأ أي تدخل انتقائي في هذه التقاليد كإشارة إلى محاولة إعادة ترسيم الحدود الثقافية. هنا، يتحول القرار من إجراء بلدي إلى قضية هوية، ومن تنظيم إداري إلى اختبار غير مباشر لفكرة التعددية.
السياق السياسي – حكومة انتقالية تبحث عن شرعية
لا يمكن فصل هذه التطورات عن طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا. فالسلطات الجديدة، التي ورثت دولة منهكة ومجتمعاً متعباً، تجد نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تفرض النظام دون أن تبدو قمعية، وكيف تبني شرعية دون أدوات اقتصادية كافية؟
في مثل هذه السياقات، تميل الحكومات إلى الاستثمار في السيطرة الناعمة على المجال العام، عبر تنظيم السلوكيات اليومية وتقديم نفسها كحارس للقيم والاستقرار. هذه المقاربة توفر شكلاً من أشكال الشرعية البديلة، خاصة حين تكون الشرعية السياسية التقليدية موضع شك أو تفاوض.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مفارقة واضحة. فكلما سعت السلطة إلى توسيع نطاق تدخلها في الحياة اليومية، زادت احتمالات احتكاكها مع المجتمع، خاصة في بيئة متعددة مثل دمشق. ما يُقدَّم كتنظيم قد يُفسَّر كوصاية، وما يُسوَّق كحماية للقيم قد يُستقبل كتهديد لها.
الاقتصاد كخلفية صامتة للاحتجاج
وراء هذا الجدل الثقافي، يقف عامل أقل ظهوراً لكنه أكثر تأثيراً: الاقتصاد. فالتضييق على أنشطة خدمية أو سياحية لا يحدث في فراغ، بل في سياق أزمة معيشية حادة يعيشها السوريون منذ سنوات. ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة، تصبح أي ضربة إضافية لمصادر الدخل أكثر إيلاماً.
التحولات الاقتصادية التي تقودها الحكومة، من رفع الأسعار إلى تقليص دور المؤسسات الخدمية وطرحها للاستثمار، تعيد رسم العلاقة بين الدولة والمواطن. لم تعد الدولة مزوداً رئيسياً للخدمات، بل أصبحت لاعباً تنظيمياً يفسح المجال للسوق. لكن هذا الانتقال، في غياب شبكات حماية فعالة، يخلق شعوراً متزايداً بعدم الأمان.
في هذا السياق، يبدو احتجاج باب توما كأنه تعبير مزدوج: رفض لقيود ثقافية من جهة، واعتراض ضمني على تدهور اقتصادي من جهة أخرى. فحين يشعر الأفراد بأنهم يخسرون مصادر رزقهم وحرياتهم في آن واحد، يصبح الاحتجاج أكثر من مجرد رد فعل؛ يصبح محاولة لاستعادة السيطرة على الحياة اليومية.
التعددية الثقافية كرهان مهدّد
لطالما شكلت دمشق نموذجاً معقداً للتعايش، حيث لا تُختزل الهوية في إطار واحد، بل تتشكل عبر تداخل طبقات اجتماعية وثقافية ودينية متعددة. هذا التوازن، الذي صمد عبر عقود من التحولات، يبدو اليوم أكثر هشاشة.
الإجراءات التي تُفسَّر على أنها تستهدف أنماط حياة معينة تثير مخاوف من انزلاق تدريجي نحو إعادة تعريف أحادية للفضاء العام. بالنسبة للأقليات، لا يتعلق الأمر فقط بحقوق محددة، بل بإحساس أوسع بالأمان والانتماء. وحين يصبح هذا الإحساس موضع تساؤل، تتجاوز المسألة حدود السياسة لتلامس عمق العقد الاجتماعي.
في هذا الإطار، تتحول تفاصيل الحياة اليومية- من نوع الموسيقا في المطاعم إلى طبيعة اللباس- إلى مؤشرات على اتجاهات أوسع. ما يُنظَّم اليوم قد يُحظَر غداً، وما يُقيَّد في حي قد يُعمَّم لاحقاً. هذه الديناميكية تغذي شعوراً بأن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر خطوات صغيرة متراكمة.
ما الذي ينتظر السوريين؟
المسار الذي قد تسلكه هذه السياسات يظل مفتوحاً على عدة احتمالات. أحدها هو التوسع التدريجي في القيود، بحيث تتحول الإجراءات الحالية إلى نموذج يُطبَّق في مجالات أخرى، من الثقافة إلى الاقتصاد. في هذا السيناريو، يصبح المجال العام أكثر انضباطاً، لكنه أيضاً أقل تنوعاً.
سيناريو آخر يتمثل في التكيف الصامت، حيث يختار جزء كبير من المجتمع تجنب المواجهة، والتركيز على تدبير شؤونه اليومية في ظل واقع متغير. هذا التكيف لا يعني القبول، بقدر ما يعكس تراجع القدرة على الاحتجاج في ظل ضغوط معيشية مستمرة.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على احتمال تصاعد الاحتجاجات، خاصة إذا ترافقت القيود الثقافية مع تدهور اقتصادي إضافي. في هذه الحالة، قد تتحول القضايا الرمزية إلى نقاط تجمع لغضب أوسع، يتجاوز موضوعها المباشر.
في جميع الأحوال، يظل العامل الاقتصادي هو المحدد الأبرز. فالمجتمعات قد تتسامح مع القيود حين تكون قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، لكنها تصبح أكثر حساسية لها حين تترافق مع شعور متزايد بالحرمان.
ختاماً:
ما جرى في باب توما لا يمكن اختزاله في كونه حادثة عابرة أو خلافاً حول قرار محلي. إنه، في جوهره، تعبير عن لحظة توازن دقيقة بين سلطة تبحث عن تثبيت موقعها، ومجتمع يحاول الحفاظ على ما تبقى من مساحاته الخاصة.
في هذه اللحظة، لا يبدو السؤال المطروح هو ما إذا كانت الدولة قادرة على فرض قراراتها، بل إلى أي مدى تستطيع فعل ذلك دون أن تعيد تشكيل العقد الاجتماعي بشكل يهدد تماسكه. فالتاريخ الحضري لدمشق لم يُكتب عبر التجانس، بل عبر التعدد. وأي محاولة لإعادة صياغة هذا التعدد ستظل محفوفة بمخاطر تتجاوز حدود السياسة إلى عمق المجتمع نفسه.
لماذا الآن؟
توقيت هذه القرارات ليس عرضياً. فالحكومات الانتقالية غالباً ما تواجه لحظات تحتاج فيها إلى إعادة تأكيد سيطرتها، خاصة في ظل ضغوط داخلية وخارجية. في الحالة السورية، يتزامن ذلك مع محاولات لإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية.
في مثل هذا السياق، يصبح ضبط الداخل أولوية. ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضاً لإرسال إشارات بأن الدولة قادرة على إدارة المجال العام. غير أن هذا السعي إلى الانضباط قد يتحول إلى سيف ذي حدين، إذا ما فُسِّر داخلياً كتشديد غير مبرر أو كإعادة فرض لأنماط سلوكية معينة.
كما أن اللجوء إلى خطاب القيم قد يعكس محاولة لتعويض العجز في مجالات أخرى، خاصة الاقتصادية. لكن هذا التعويض يظل هشاً، لأنه يعتمد على قبول اجتماعي غير مضمون، خصوصاً في مجتمع متنوع ومتعب في آن واحد.