حول الديمقراطية وثقافة المجتمع وبنيته التاريخية -مادة للحوار

يونس كامل صالح:

تقام باستمرار انتخابات عامة ورئاسية في بلدان ومجتمعات تنتمي إلى منطقتنا التي يطلقون عليها منطقة الشرق الأوسط، يحشد لها الإعلام ماكينته الضخمة يدعو فيها شعوب تلك الدول إلى المشاركة وعدم التخلف عن الانتخابات، ومزاولة حقوقها المشروعة في اختيار ممثليها وحكامها الذين سيتكفلون بإدارة شؤون حياتها، وينهضون بها، وينتشلونها من ثلاثية (الجهل والفقر والمرض)، الضاربة أطنابها في جذورها وعقولها وأجسادها.

إن هذه البلدان التي تجري فيها تلك الانتخابات تمثل واقع شعوب هذه المنطقة كلها بلا استثناءات تذكر، فهي تشترك مع كل شعوب شرقنا الأوسط السعيد في البنية الأساسية التاريخية، التي حكمت، ولا تزال تحكم، حركة تطور تلك المجتمعات. فالمشترك الديني هو الإسلام، وكلها خضعت ألفاً ونصف الألف من الزمان إلى حكم استمد شرعيته نظرياً من القرآن، وعملياً من القوة العسكرية، التي يملكها ويسيطر عليها ويمنحها الأولوية من الرعاية والنفوذ. وبقيت هذه الشرعية واحدة حتى مع انتقال مراكز السلطة من دمشق إلى بغداد، مروراً بالقاهرة وإسطنبول، إثر صراعات دموية هائلة دفعت شعوب المنطقة ثمنها الباهظ، من أجل أن تسيطر عشيرة أو عائلة أو طائفة على الحكم. وتكونت من تلك الأنماط الحاكمة على مدى السنين الطويلة قيم وتقاليد وأعراف في أصول الحكم وإدارة الدولة.

وجاء الاستعمار الغربي ليرث تركة الحكم في المنطقة ويخضع الإدارة والحكم لمصالحه الاقتصادية والسياسية، مبقياً على ما خلفته القرون الماضية من أعراف وتقاليد وقيم وجدها صالحة لإبقاء سيطرته ودوام استعماره، وما ادعاؤه بنشر الديمقراطية إلا محاولة زائفة ليسبغ على استعماره واغتصابه للمنطقة وخيراتها مبرراً لانتشال شعوب المنطقة من التخلف، وإلحاقهم بركب المدنية الحديثة.

ومع الأسف فإن مرحلة الحكم الوطني، الذي جاء في أعقاب رحيل الاستعمار الغربي لم يجد له طريقاً جديداً في إدارة الدولة غير تراث القوة العسكرية، واعتبار أن تلك القوة هي وحدها القادرة على تسيير شؤون المرحلة الوطنية، وهي المالكة- وحدها- القدرات العلمية والثقافية التي تؤهلها لبناء الدولة الحديثة، والتي تعطلت مسيرتها بسبب التخلف وهيمنة الاستعمار عليها طويلاً.

ومنذ رحيل الاستعمار السابق- هناك عودة له كما يبدو- دخلت القوى الحاكمة المستندة على القوة في صراعات التنافس على القوة والسلطة، بمعزل كامل عن الشعوب التي ورثت على مدى السنين ثقافة القبول لكل ما يمليه عليها الحاكم، وأصبحت شرعيته مستمدة مما يملكه من قوة عسكرية يفرض بها سلطته على المجتمع. أما الشعوب صاحبة الأرض والحق في الحياة فلا مكان لها في هذا الصراع على السلطة، ولا مكان لها في هذا التداول بين مالكي القوة العسكرية والأجهزة الأمنية.

هذا الواقع الجماهيري المعيش اليوم هل أصبح واقعاً ديمقراطياً فجأة؟ ويملك مقومات الحرية والوعي التي تؤهله للاختيار بين أفضل من يحكمه ويشرع له، وتمكنه من المحاسبة اللاحقة له، إذا انحرف أو أخطأ؟ وهل تجاوزت شعوب المنطقة تراثها السياسي وأعرافها وتقاليدها وثقافتها التقليدية التي رسختها أزمنة من التسلط في إدارة الحكم، واتساع رقعة الجهل وتفشي الخرافة وانتشار الفقر مع انفجار تزايد السكان على رقعة جغرافية محدودة في مصادر الإنتاج سواء الزراعي منه أو الصناعي؟ وهل تجاوزت كل ذلك لأن تختار حاكميها وممثليها في مجالس التشريع والإدارة؟

إن ما نشاهد اليوم من تجارب انتخابية في منطقتنا يؤكد حقيقة مشتركة بينها، هي أن من يدير ويشرف على تنفيذ تلك الانتخابات هي السلطة الحاكمة الماسكة بالقوة وأجهزة الدولة، ولذا نجد أن نتائج تلك الانتخابات كلها تأتي دائماً لمصلحة السلطة نفسها التي أجرت الانتخابات وأشرفت عليها، فهي التي تسيطر على وسائل الإعلام، وهي التي تتحكم في قوت الشعب المنتخب، وفي الوظائف الحكومية، والشركات والمصانع. فضلاً عن أجهزة الأمن غير المرئية التي تنتشر في مفاصل الدولة وأركانها.

ولكن العنصر الأهم والأكثر فاعلية من السلطة الحاكمة وقواها، هو الإنسان الذي يطلب منه القيام بعملية الاختيار، فهذا الإنسان أو الفرد الذي يمثل الثروة البشرية المتاحة في هذه المجتمعات لا يملك مؤهلات الاختيار الصائبة، فأغلبية هذه المجتمعات التي تجري فيها كل الانتخابات تتماثل في مستوياتها في تدني مستوى المعيشة، وارتفاع نسب الجهل والأمية، والتهرب من التعليم، وهي ظروف تؤثر سلباً على مستوى الوعي في المجتمع، سواءٌ من حيث معرفة الفرد بحقوقه السياسية، أو على المستوى المعرفي الذي يعد ضرورة من ضرورات قيام ونهضة أي مجتمع يرغب في التقدم والارتقاء.

أخيراً، إن تحرير المجتمع هو الذي سيخلق قوة بشرية واعية، مدركة لمصالحها في وطن آمن مستقر ومنتج، فالديمقراطية، بمعناها كفكر وفلسفة تعني المبادئ الأساسية التي تأسست عليها، وهي مبادئ حكم الأكثرية، واحترام وحماية حقوق الأقلية، وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية واستقلال كلٍّ منها عن غيرها، ومفهوم تجزيء الصلاحيات، ومبدأ التمثيل والانتخاب، ومفهوم سيادة القانون والمساواة الكاملة أمامه، ومفهوم اللامركزية في اتخاذ القرار، وتداول السلطة سلمياً بما يختاره الشعب. هذه المبادئ الأساسية التي يحكم بجوهر معناها، المبادئ الحقيقة للديمقراطية، وليس مجرد إجراءات شكلية إدارية، تبدأ صباحاً بطوابير تسقط أوراقاً في الصناديق، وتنتهي مساءً بإعلان النتائج. فالديمقراطية إذاً هي حياة يومية يعيشها الإنسان طوال حياته من يوم مولده حتى وفاته.

العدد 1194 - 15/04/2026