في ذكرى الشــــــــهداء

نوفل عدوان:

(إنني أموت فداء الأمة العربية، غير خائف ولا وجل، فليسقط الخونة وليحيَ العرب!).

هذا آخر ما هتف به الشهيد عمر حمد، عند وضع حبل المشنقة حول رقبته في ٦ أيار عام ١٩١٦، بناء على الأحكام الجائرة التي أصدرتها المحكمة العسكرية التركية، وبأمر من والي الشام أحمد جمال باشا السفاح (كما لقبه العرب لكثرة المظالم والمجازر التي ارتكبها أثناء ولايته في سنوات الحرب العالمية الأولى)، ففي ساحة المرجة في دمشق شنق سبعة من الوطنيين المناوئين للحكم العثماني البغيض وهم: رشدي الشمعة،

الأمير سليم الجزائري، رفيق رزق سلوم، عبد الوهاب الإنكليزي، شفيق المؤيد، شكري العسلي، عبد الحميد الزهراوي. قال فيهم الشاعر حليم دموس:

في كل عام أرى الذكرى تمثّل لي

أحبّةً لنواهم مدمعي سالا

أراهم حين ساروا نحو مشنقة

واستقبلوا الموت أحراراً وأبطالا

فهل أقمنا لهم عيداً يخلّدهم

وهل نصبنا لهم في الحيّ تمثالا؟

وفي الساحة المركزية في بيروت (وقد أُطلق اسم- ساحة الشهداء-على الساحتين في دمشق وبيروت) ارتقى أعواد المشانق أربعة عشر آخرون من القادة والمناضلين القوميين العرب وهم: سعيد عقل، بترو باولي، عبد الغني العريسي، عمر حمد، سيف الدين الخطيب، توفيق البساط، أحمد طيارة، محمد الشنقيطي، أمين لطفي الحفار، الأمير عمر الجزائري، علي الحاج عمر، عارف الشهابي، جلال البخاري، إبراهيم هاشم.

وقد أحدثت هذه الإعدامات ردات فعل واسعة وغاضبة لدى جماهير الشعب وعند القوميين العرب، وعند الشريف حسين حاكم الحجاز الذي كان من بين من توسطوا لدى الوالي لوقف تنفيذ الأحكام، دون جدوى.

وسبق ذلك أن نفذت إعدامات مماثلة في ٢٠ آب ١٩١٥ لكوكبة من قادة وزعماء وشخصيات الحركة القومية العربية ضمت ١١ شهيداً، وهم:

عبد الكريم الخليل، صالح حيدر، مسلم عابدين، نايف تللو، محمود محمصاني، محمد محمصاني، نور الدين القاضي، علي الأرمنازي، عبد القادر الخرسا، محمود العجم، سليم الأحمد.

وكان سامي باشا الفاروقي (حاكم جبل الدروز) قد أعدم (بين٧ و١٣ آذار ١٩١١) ستة من زعماء وقادة الحركة المناوئة للعثمانيين في الجبل، وهم:

ذوقان الأطرش، عز الدين الحلبي، مزيد عامر، حمد المغوّش، محمد القلعاني، يحيى عامر.

وتوالت أحكام الإعدام والسجن المؤبد والنفي لعدد كبير من القادة والزعماء العرب، منهم: فارس نمر، شبلي شميل، خليل مطران، عبد الرحمن الشهبندر، شكري القوتلي، فارس الخوري، شكري الأيوبي، عزيز المصري، شبلي الأطرش وغيرهم، ولكنها لم تنفذ غالباً بسبب عدم تمكّن السلطات العثمانية من القبض عليهم..

ويرى بعض المؤرخين ان عدد الذين شنقوا وحكموا بالإعدام او السجن حتى أواسط عام١٩١٦ تجاوز ٨٠٠ شخصية.

وتشير الوثائق التركية، مثلاً، إلى المنفيين الدروز في رودس؛ إذ يقول والي سورية في كتابه إلى مقام الصدارة السامية بتاريخ 18/4/1894:

(من غير الجائز إخلاء سبيلهم وإعادتهم إلى بلادهم قبل القيام بالإصلاحات الجذرية في جبل الدروز)!

وأشارت مذكرة نظارة الداخلية في ٩ نيسان ١٨٩٦ إلى وجود ١٠ من رؤساء العوائل و٣٥ من الذين تقرر نفيهم، على أن يضاف إليهم من يُقبض عليهم، وإن الحاجة تتطلب الآن نقل وإبعاد ٣٥ شخصاً إلى رودس و٥-١٠ من رؤساء العوائل إلى ملحقات خداوندكار، وخمسة إلى ملحقات قسطمون.

لقد عززت إعدامات أيار خاصة، سمات الروح الكفاحية في الحركة القومية العربية، التي شارك فيها الجميع بغض النظر عن الانتماءات الضيقة، بهدف الوصول إلى الأهداف الاستقلالية التامة، والتحرر من أي نفوذ أجنبي أو سيطرة أجنبية، وإقامة الدولة العربية الواحدة.

وقد تجلى ذلك في موقف يوسف العظمة (وزير الدفاع في حكومة الدفاع الوطني العربية في دمشق)؛ عندما أقدم على خوض معركة ميسلون مع علمه أنها خاسرة عسكرياً، لكنها ضرورية روحياً ومعنوياً من منظور حركة التاريخ والصراع بين الحق الوطني والباطل الاستعماري.

الجماهير التي قاتلت المحتلين العثمانيين انتقلت إلى مقارعة الغزاة الفرنسيين، بعد أن وحدت قواها وقياداتها واختارت سلطان باشا الأطرش قائداً عاماً لها، وأعلنت الثورة السورية الكبرى التي استمرت بين عامي١٩٢٥-١٩٢٧، وتابعت بعدها المقاومة بأشكال وأساليب مختلفة إلى أن تحقق الجلاء في ١٧ نيسان عام ١٩٤٦.

تحية إكبار لكل شهداء الوطن على مر العصور!

 

العدد 1198 - 13/05/2026