الاستهلاك المفيد

د. عامر محمد وجيه خربوطلي:

وهل يوجد استهلاك ضار وآخر مفيد؟ وهل الاستهلاك بحد ذاته أمر ايجابي للاقتصاد عموماً؟ وهل الاقتصاد السوري يعاني ضعفاً في الاستهلاك الخاص والعام قياساً للناتج المحلي وقياسا لضعف الدخل الفردي المزمن؟ وماهي مكونات هذا الاستهلاك؟ وكيف يمكن تحويلها لأداة رفع اقتصادي بدل ان يكون أداة هدر اقتصادي؟

الاستهلاك بالتعريف أولاً هو الإنفاق على السلع والخدمات من الدخل المتاح للأفراد، ويمكن للفائض لهذا الدخل ان يتحول إلى ادخار بمختلف أشكاله، وفي أحيان كثيرة يتحول هذا الفائض عن الاستهلاك لاستثمار يدر على صاحبه عائداً يتناسب مع نوع المشروع وجدواه الاقتصادية.

الاستهلاك المفيد هو استخدام السلع والخدمات بطريقة ذكية وواعية لتلبي احتياجات حقيقية للأفراد أو المجتمع، مع تحقيق أقصى فائدة ممكنة بأقل قدر من الهدر أو التبذير او التبديد، وبالتالي هو يختلف عن الاستهلاك العشوائي أو الكمالي الذي قد يكون ضارًا على الاقتصاد في المدى الطويل.

يمكن تلخيص هذا المفيد اي الاستهلاك على المستوى الفردي،

فإنه يلبي الاحتياجات الأساسية من (طعام، تعليم، علاج …) أو تحسين جودة الحياة دون إسراف.

أما اقتصادياً فمن خلال شراء منتجات محلية أو مستدامة تدعم الاقتصاد وتخلق فرص عمل وتنشط الحافز على الاستثمار الإنتاجي بجميع أشكاله.

وعلى الصعيد الاجتماعي فهو يساهم في توجيه جزء من الاستهلاك لدعم قضايا مجتمعية (كالمشاريع الخيرية أو المنتجات الصديقة للبيئة).

الاستهلاك عموماً هو المحرك الاساسي للنشاط الاقتصادي وبدونه يدخل الاقتصاد في دوامة الركود وضعف المبيعات.

وفق توقعات البنك الدولي حقق مؤشر الاستهلاك في سورية عام ٢٠٢٥ نموا بنسبة تقارب ٢٠% وهذا الرقم لا يعبر بشكل دقيق عن تحسن مستوى الرفاهية بل هو نتيجة طبيعية لزيادة الاستهلاك الناجم عن عودة جزء مهم من اللاجئين السوريين إلى مدنهم وقراهم ودخول طلب جديد على الخدمات والسلع الأساسية بعد سنوات من الحرمان إضافة لارتفاع فاتورة الغذاء والطاقة.

ومع تآكل القدرة الشرائية أصبح هناك ميل طبيعي نحو التقشف والكفاف والتنازل عن الاستهلاك الترفيهي أو المعمر. إضافة الى التوجه نحو البدائل الرخيصة ذات الجودة الاقل والأكثر الحاحا دون التخزين لشح السيولة. ويأتي ارتفاع التضخم ليلتهم اية زيادات في الدخول ويكفي القول وفق تقديرات منظمات دولية ان حوالي ٤٠% من الأفراد تحت خط الفقر لتزيد المسألة تعقيداً لان الانفاق الداعم للنمو الاقتصادي يأتي عادة من الطبقة الوسطى التي تقلصت إلى نسب غير مسبوقة بحيث لم تعد تشكل أكثر من ١٥% من المجتمع السوري بعدما كانت تشكل أغلبه في القرن الماضي.

الاستهلاك المفيد لا يعني الاقتصار على الاساسيات الرخيصة أو البديلة أو الهامشية بل هو اختيار هادف وذكي وواعي للمستهلك السوري مهما كان دخله نحو الافضل والأكثر فائدة ومنفعة في الوقت الحالي دون مبالغة أو إسراف ودون تقطير أو انحباس.

العدد 1193 - 9/04/2026