عندما تتحول الجامعات إلى جوامع

إيمان أحمد ونوس:

تُعتبر الجامعات منارات تمدّ الدولة والمجتمع بمختلف الأبحاث الجادة والعميقة والدلائل الصحيحة للموضوعات المُراد تناولها أو العمل عليها، إضافة إلى مخرجات هذه الجامعات من قوى بشرية متسلحة بمختلف أساليب العلم ونظرياته الحديثة كي تقوم بالمهام المنوطة بها لأجل تطوير المجتمع من خلال كوادر متخصصة تعمل على الارتقاء بمختلف المجالات التي تعمل فيها.

غير أن المتابع لوضع الجامعات السورية لاسيما في العقد والنصف الأخيرين يكتشف مدى الإهمال والتهميش الذي طال هذه الصروح العلمية، إضافة إلى السياسات التعليمية المتخلفة وطرائق الامتحانات وغيرها القائمة على التجريب من دون دراسة عميقة تنتقل بالطلاب إلى مستويات أفضل.

لكن، ومع قدوم الوافدين الجُدُد للأسف رأينا ما اعترى هذه الجامعات من حال يُرثى لها من حيث فرض الكوادر التعليمية غير الكفؤة، أو الفصل بين الجنسين، ومحاولة فرض نمط معين من اللباس على الفتيات، إضافة إلى الجوامع التي انتشرت في مختلف الكليات، ما يجعلنا في حال من الدهشة لهذا التحوّل الخطير والذي لا يمكنه أن يرتقي بالجامعات كي تصل إلى التصنيف العالمي المنشود، فقد خرجت جامعة دمشق لسنوات من التصنيف العالمي، باستثناء العام الماضي الذي حققت فيه تقدماً بسيطاً وضعها مُجدداً على سلم التصنيف العالمي، أما باقي الجامعات السورية فلم تحظَ بأي تصنيف للأسف.

قرأت قبل أيام على الفيسبوك منشوراً للإعلامي وحيد يزبك تطرق فيه لوضع الجامعات السورية بعنوان (عندما تُصاب الجامعات بسوء تغذية فكري.. وتُحاضر بالأضرار بدل الهندسة)، وحسبما جاء في هذا المنشور، فقد ألقى الشيخ الدكتور عبد الله غنوم، عضو مجلس الشعب في الحكومة الجديدة، محاضرة على مدرج كلية الهندسة المدنية بجامعة حمص بعنوان (أضرار العلمانية على المرأة) مع الإشارة أن لقب الشيخ يسبق الصفة الأكاديمية لغالبية الكوادر التدريسية في الجامعات، إضافة إلى أن المحاضر وحسبما جاء في المقال هو واحد من الذين حرّموا معايدة المسيحيين في أعيادهم، وكذلك حرّم، في خُطبه على منابر الجوامع، كثيراً من الأمور كالأركيلة مثلاً!

ويتابع الأستاذ وحيد قائلاً: (المفارقة الصارخة أن هذه المحاضرة ألقيت في جامعة يفترض أنها مساحة للعلم والبحث وتعدد أو تنوع الآراء، لا منبراً لجرّ الطلاب والجامعات إلى مستنقعات الجهل والتخلّف، وتحوير المفاهيم الفكرية إلى فزّاعات أخلاقية).

كان واضحاً من الصورة المُرفقة للمقال الفصل بين الجنسين إضافة إلى سيادة الحجاب لدى الطالبات الحاضرات.

حدث آخر شهدته جامعة دمشق مؤخّراً وهو منح المدعو (عبد الله المحيسني) سعودي الجنسية شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز في البحوث الإسلامية، ومعروف تماماً الدور الذي لعبه المحيسني في سورية خلال سنوات الصراع، فقد كان ولا يزال يُحرّض على العنف والكراهية ضدّ الطوائف والأعراق والأديان في المجتمع السوري! إضافة إلى الأعمال الإجرامية التي قام بها في صفوف التنظيمات المُتشددة والتي وصلت اليوم إلى الحكم في سورية.

لا شكّ أن كل ما ذُكر هو مؤشّر خطير على وضع جامعاتنا، لاسيما جامعة دمشق العريقة والمعروفة بإسهاماتها العلمية على مستوى العالم العربي ما جعلها تحصل على مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية، واليوم نراها تتحوّل مع بقية الجامعات إلى جوامع ومنابر لتكريس الوصاية على الطلبة بدل منحهم مساحة من حرية الرأي في مختلف المجالات، ليصبحوا لاحقاً أجيالاً مُنمّطة خائفة ومُدجّنة بالفكر السلفي الذي يقيّد التفكير لدى التابعين أو الطلبة. وهذا بالتأكيد سيهبط بالجامعات السورية إلى الدرك الأسفل من تخريج جهاديين لا أكاديميين، كما سيُخرج جامعاتنا من أي تصنيف عربي أو عالمي في المستقبل.

العدد 1184 - 28/01/2026