عامٌ آخر والجرح السوري ما زال نازفاً!

إيمان أحمد ونوس:

تتوالى السنوات وما زال السوريون يُرحّلون آلامهم وقهرهم وأنينهم من قيود عام مضى إلى آخر جديد يأملون فيه الخلاص.. ولا خلاص!!! تتوالى السنوات والجرح السوري ما زال نازفاً بشكل يغتال كل أمل بالأمان والأمن والسلام.

لقد شهد العام المنصرم مجازر رهيبة حدثت في كلٍّ من الساحل والسويداء، يُضاف إليها الحوادث الاجرامية شبه اليومية التي تغتال السوريين وما زالت تتوالى حتى اللحظة، بعضها على أساس طائفي، وبعضها الآخر لغايات ومآرب شخصية في العديد من المناطق بسبب انعدام الأمن الذي يسيطر على سورية وأهلها.

ومع تباشير العام الجديد الذي كُنّا نأمل فيه بالوصول إلى حلول سلمية من خلال عملية سياسية ناجزة تقلّص ما أمكّن من الدم والوجع والقهر المقيم في حياة السوريين، إلاّ أن آمالنا كانت واهية لدرجة أنها تلاشت مع بدء عملية عسكرية في محافظة حلب راح ضحيتها الأبرياء من المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يجري سوى أنهم وجدوا في هذه البقعة الجغرافية التي تتكالب عليها كل وحوش الكون لسرقتها بأي طريقة كانت دون الاكتراث بحقهم في الحياة!

فكلما حلَّ عام جديد، تزداد معاناتنا وتتجدّد أزماتنا المتوالدة من رحم المطامع والمصالح الدولية والاقليمية وحتى المحلية الشرهة للسلطة والاستئثار بكل شيء، من خلال التحكّم بمفاصل الدولة ونهب مؤسساتها وخيرات البلاد التي استبُيحت بشكل غير مسبوق طمعاً لا مثيل له للإثراء على حساب الفقراء والمهمّشين الذين يتزايدون يوماً بعد آخر ليصبحوا الغالبية غير الفاعلة أو المؤثّرة، في عكس فاضح لمفهوم الثورة التي ما قامت إلاّ من أجل الوصول إلى الحرية في بلد آمن تسوده العدالة والمواطنة الحقيقية من خلال ممارسة الديمقراطية التي تتيح تكافؤ الفرص للجميع بغض النظر عن الجنس والدين والعرق.

لقد ابتُلي السوريون بما لم تُبتلَ به أيُّ من الشعوب التي عاشت ويلات الحروب عبر تاريخ البشرية، بلاء شاركت فيه وتقاسمته المصالح الدولية التي لم تنتهِ بعد، وهذا ما يُعيق ويُعرقل الوصول إلى حل سياسي ينهي عذاب السوريين، وأيضاً عزّزت هذا البلاء ورفعت منسوبه حكومة لم ترتقِ يوماً لتكون حكومة انتقالية لإدارة شؤون البلاد بعد حرب مريرة وبعد سقوط نظام مجرم ترك البلاد خراباً يحتاج إلى المزيد من الجهود الإنسانية والحكومية لأجل النهوض من تحت أنقاض الدمار والموت والقهر. غير أن هذه الحكومة ابتعدت بشكل متعمّد عن مصالح البلاد والعباد بحثاً عن رضا الخارج وتلبية مصالحه فقط لأجل البقاء في سدّة الحكم ما أمكنها ذلك حتى وصلت حدود تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء فيما يخص حقوق المواطنين واحتياجاتهم الأساسية والبسيطة تحت ذرائع شتّى، احتياجات باتت في ظلّ هذه الحكومات سلعاً متوافرة بكثرة في سوق العرض والطلب لمن يدفع أكثر، ولمن يلبي الطلب من تجّار وسماسرة وأصحاب سطوة ونفوذ من المتحكمين برقاب العباد وثروات البلاد وسط أضواء خضراء يزداد سطوعها علانية يوماً بعد آخر في خروج سافر حتى عمّا نص عليه الاعلان الدستوري على هزالته، خروج فاحش وصل حدود اللامعقول حتى أصبحت الدولة بكل ما فيها وما تعنيه مزرعةً يتحكّم بها وبمن يعيش في كنفها ثلّة من المتنفذين والفاسدين وأثرياء الحرب الجدد..

على ضربات هذا الواقع المرير يدخل السوريون عاماً جديداً ينشدون فيه النهوض ولو قليلاً من قاع مأساتهم علّهم يعيشون ما تبقى لهم على أجندة الحياة بقليل من إنسانية افتقدوها وكرامة اغتالتها الأطماع والفساد والنهب!

غير أن قاعدة فلسفية تقول المقدمات الإيجابية تعطي نتائج إيجابية والعكس صحيح، فإننا نرى أن مقدمات هذه الحكومة من جهة والمصالح الدولية من جهة أخرى حتى اللحظة لم تكن إيجابية، فلا مؤشّرات دولية تمنحنا فرصة الاستبشار بعام يصل فيه السوريون إلى حلّ سياسي ينهي عذاباتهم وتشظيهم المقيت المُعرقل لكل حلٍّ وأمل، ولا مؤشّرات محلية تخفّ من خلالها حدّة أزماتنا الخانقة فتجعلنا كائنات أقرب إلى البشر ممّا نحن عليه اليوم.. فهل للعام الجديد أن يكون أفضل من سابقيه من أعوام الجمر والموت العبثي والقهر المقيم؟

نأمل هذا في وقتٍ بات فيه الأمل أمنية مستحيلة.

العدد 1186 - 11/02/2026