أمريكا.. يا لها من رحمٍ عقيم!
د. نهلة الخطيب:
لم تعد الجغرافيا السياسية تخضع لأي قيود بين القوى العظمى، ويبدو أن الأقوياء بإمكانهم أن يفعلوا ما يشاؤون: يطلّ ترامب من على طاولة منتدى دافوس متحدّياً حلفاءه وأعداءه: أمريكا ومن بعدها الطوفان! سنأخذ كل ما نريده من أجل أمريكا. ترامب بجنون العظمة يستطيع فعل ما يريد وهذا يزيد تعمق الأزمات والانقسامات وتفكك المشهد السياسي، قمة دافوس جاءت مع بداية العام الثاني من فترته الرئاسية التي وعد فيها بإنهاء الحروب، وفعلاً بعد محاولات صعبة نجح في إيقاف الحرب في غزة ومجلس الأمن تبنى خطته للسلام بقرار أممي وأسس مجلس السلام، ومع ذلك لم يحصل على جائزة نوبل للسلام، ففقد ترامب شعوره بالالتزام بالتفكير في السلام فقط، فبدأ بخلط الأوراق والتخلي مجاهرة عن حلفائه: أوربا وقسد اليوم، وغداً إسرائيل، فهذه أمريكا، يا لها من رحم عقيم!!
الملفات الخارجية لم تكن كلها ملفات سلام ومفاوضات، فقد حاصر فنزويلا واعتقل رئيسها، وتفجرت أزمة بين أمريكا وحلفائها مع عودة مطالبة ترامب بغرينلاند الخاضعة للسيادة الدنماركية، والعالم لن يكون أمناً إلا بعد سيطرة بلاده بشكل كامل على غرينلاند. استهدف ترامب البرنامج النووي الإيراني، والآن تشهد المنطقة استعدادات أمريكية عسكرية غير مسبوقة تحضيراً لتوجيه ضربة لإيران، فالهدف الاستراتيجي الإسرائيلي لم يتحقق وهو إسقاط النظام الإيراني، إسرائيل ستقوم بشن هجوم عسكري على إيران، هذا ما أكده حقان فيدان وزير خارجية تركيا، فمن يصدق أن إسرائيل هي من طلبت التريث بضرب إيران وهي التي تسعى لإسقاط النظام! ربما تحسباً من الغرق في المستنقع الإيراني، إيران تعتبر أن الحرب واقعة وهي امتداد لحرب الـ12 يوماً وستكون حرباً شاملة، والمفاجأة التي حصلت في الحرب السابقة لم يعد بالإمكان تكرارها اليوم، إيران لا يمكن اسقاطها من الخارج بسهولة، لذلك قد نكون أمام خيارين: إما أن يكون هناك ضربات تكتيكية لرفع منسوب التوتر الداخلي، أو تنفذ الضربات عشية الانتخابات الأمريكية لرفع حظوظ ترمب في البقاء في البيت الأبيض، وفي ظل التقاطع بين الجنون الأمريكي والجنون الإسرائيلي، لنسأل عن مستقبل الفلسطينيين والشرق الأوسط عموماً؟
أيّ حل يستبعد الدولة الفلسطينية من مستوى صنع القرار يثير المخاوف بشأن عدالة هذا المفهوم وفعاليته، خطة ترامب لا تخدم السلام والمصالح طويلة الأمد في الشرق الأوسط والعالم، استعاض ترامب عن الأمم المتحدة بمجلس السلام، بقرار إمبراطوري أمريكي، وتوج نفسه ملكاً على غزة حتى لو انتهت ولايته الرئاسية، ترامب إمبراطور إلى الأبد في غزة وحق الفيتو له وحده، في مجلس السلام الذي هدفه إرساء السلام في غزة، إلا أن غموض مهماته وآليات عمله وطريقة حكم الشرق الأوسط من خلاله، والجديد أنه فرض على كلٍّ من المشاركين مليار دولار من أجل اعادة الاعمار بغزة حسب المصالح الأمريكية والترامبية الخاصة، وميثاقه يتصور دوراً أوسع في حل النزاعات الدولية، مما أثار مخاوف قوى عالمية من أن يقوض دور الأمم المتحدة كمنصة رئيسية لحل النزاعات الدولية، ألم يسقط القانون الدولي أمام رغبات ترامب ما حصل في فنزويلا!! حلفاء أمريكا الأوربيون فرنسا وبريطانيا امتنعوا عن المشاركة، والصين أكدت التزامها بمنظومة الأمم المتحدة، وروسيا تدرس العرض، الانقسامات الدولية المحيطة بمجلس السلام تؤكد أهمية الأمم المتحدة التي لا غنى عنها، فإسقاط كل مكاسب النظام بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب الباردة وراءه مخاطر كبيرة جداً لا يدركها الامبراطور، ولكن عندما يطبق القانون الدولي بتفاوت بناء على هوية المتهم أو الضحية يجعل قانون الغاب يسيطر على العالم ونكون أمام حروب جديدة وبأشكال مختلفة، فهناك قرارات من الأمم المتحدة ومجلس الأمن لم تطبق منذ خمسينيات القرن الماضي لصالح فلسطين وكل القرارات التي تدين إسرائيل أوقفها الفيتو.
ترامب يرفع السقف إلى أقصى حد ثم يبدأ بالتراجع يريد ابتلاع غرينلاند رغم معارضة أوربا وفرض عقوبات على فرنسا وبريطانيا وألمانيا وخمس دول أوربية لرفضها استحواذه عليها، والخوف ماذا بعد غرينلاند؟ إذا قبلنا بتسوية مهينة في غرينلاند ستكون الأمور أكثر صعوبة في المستقبل وكندا الولاية 51، أوربا في مازق وجودي لا تعرف كيفية التعامل مع ترامب، بمزاج ترامب والتفرد باتخاذ القرارات فقدت أمريكا ثقة حلفائها الأوربيين، فثمة قلق استراتيجي دفعهم لشراكة استراتيجية مع الصين كشريك تجاري موثوق، عندما يكون ترامب فالدبلوماسية لا تدار بالمصالح بل بالمزاج، يسحب دعوته لرئيس الوزراء الكندي للانضمام إلى مجلس السلام الدولي لمجرد أن الأخير انتقده.
ما نشهده هو بداية مرحلة انهيار قسرية فرضته اختلال موازين القوى التي لم تعد في صالح أمريكا ولا إسرائيل، فالمجتمع الإسرائيلي يعيش تصدعاً وجودياً وأخلاقياً والنظام الدولي في مرحلة انتقال وانفلات، والاقتصاد الأمريكي المثقل بالديون والعصيان المدني والاحتجاجات الواسعة ضد سياسات ترامب مع ملف الهجرة واستخفافه بالهيئات الدولية، ولأول مرة بتاريخ أمريكا ولاية كاليفورنيا قررت الانضمام لمنظمة الصحة العالمية منفردة في تحدي لقرار ترامب بالانسحاب، تصريحات كبيرة وخطط واسعة ولكن تطبيقها على الأرض غير واضح، ترامب لن يذهب إلى غرينلاند وإلى أي مكان خارج البيت الأبيض. مشكلة افتعلها ترامب مع الحلفاء والناتو ولن يكون هناك نهاية لها على ما يرغبه ترامب، الرغبة والواقع شيئان مختلفان، هنالك دعم مطلق للأكثرية الجمهورية على بعض الأمور ولكن غرينلاند وكندا ليس إحداها، والرهان على الانتخابات النصفية، فضلاً عن دعاوى قضائية ضده ومن المتوقع أن يصدر قرار من المحكمة العليا القضائية بإنهاء صلاحياته المطلقة بموضوع الجمارك، ربما يعيد ترامب ترتيب أوراقه التي تتعارض مع رؤية مؤسسات الأمن القومي الأمريكي وتوجهات الدولة العميقة تجاه حلفائها الأوربيين، بما يخدم مصلحته في امتصاص الاحتقان في الداخل الأمريكي المؤيد لحرب أوكرانيا بعد فشله بإيقافها رغم محاولاته الكثيرة، ومراعاة تراجع الاقتصاد الأمريكي، والحشد للصراع والمنافسة مع خصومه الديمقراطيين خصوصاً عندما تصل الأمور إلى الانتخابات الأمريكية للكونغرس نهاية 2026 ومن المتوقع أن تنتقل الأكثرية النيابة في الكونغرس من الجمهوريين للديمقراطيين ويخسر ترامب هذه القوة الداعمة، يبدو ترامب لا يملك خيارات للنجاة بل كلٌّ من السيناريوهات أسوأ من الآخر، فكيف يمكن التخلص منه قبل أن يشعل حرباً أهلية في أمريكا وحرباً قد تكون نووية في العالم؟؟