الدولتجي الجديد: حين تصبح الدولة سلاحاً

أنس جودة:

بعد سقوط النظام ظهرت سريعاً سرديّاتٌ متعددة تحاول تدعيم خطاب السلطة الجديدة وتثبيت شرعيتها. البداية كانت مع سردية (التحرير): شرعية إسقاط النظام بوصفها تفويضاً مفتوحاً للحكم. لكن هذه السردية اصطدمت برفضٍ شعبيٍّ متزايد، خصوصاً حين انزلقت إلى منطق فظّ من نوع: (هل تُسأل المُحرِّرة عن مصيرها؟)؛ وهو منطق لا يبني شرعية بقدر ما يلغي المجتمع من المعادلة.

وعندما لم يعد الانفعال كافياً، جرى الاتكاء على التاريخ. ومن أفضل من بني أمية: الفاتحون العرب الأقحاح الذين جعلوا دمشق عاصمة العالم، الخصم الرمزي والحاجز الطبيعي أمام تمدد إيران اليوم. لكن هذا الاستحضار لم يصمد طويلاً؛ فالفارق هائل بين نموذج حكم تاريخي عقلاني–إداري، وأداء السلطة وخطابها التعبوي. هكذا صار التشبيه يفضح أكثر مما يشرعن، ولم يعد يصلح لا لضبط الناس ولا لشدّ الجمهور.

وحين توسعت دائرة الاعتراض، وانتفضت (الأقليات)، وتكاثر المتضررون من أداء السلطة، كان لا بد من سردية أكثر حزماً وأقل عاطفةً. هنا ظهر التحول الأكبر: (نحن الدولة). انتقال واضح من خطاب الفخر والمشاعر إلى خطاب الضبط والإكراه. ومن هذه النقطة بالذات لا يعود الأمر متعلقاً بأشخاص بعينهم، بل بوظيفة خطابية يمكن أن يتقمصها كثيرون متى احتاجت السلطة إلى غطاءٍ لغويٍّ يسبق أدواتها الأمنية: وظيفة اسمها الدولتجي الجديد.

(الدولتجي الجديد) لا يأتيك بوصفه خصماً للدولة، بل بوصفه حارسها. ولا يقدّم نفسه طرفاً سياسياً قابلاً للنقد، بل صوت (العقل) الذي لا يجوز الاعتراض عليه. يتعالى على سردية (التحرير) كأنها سذاجة شعبوية، ويعرض نفسه كمثقف حصيف يتحدث بلغة المؤسسات، لكن المفارقة الكبرى أنه يتصرف وكأن الدولة لم تكن موجودة قبل أن يصل إلى المشهد.. وكأنها وُلدت معه، ثم طُلب من الجميع أن يسلّموا بها دون نقاش.

(الدولتجي الجديد) اكتشف الدولة فجأةً، لا كمؤسسات أو قانون أو عقد اجتماعي، بل ككلمة تُنهي النقاش قبل أن يبدأ. بالأمس كان يبرّر السلاح بمنطق الثورة والضرورة والتحرير، وكان الحديث عن (الدولة) ترفاً بل خيانةً أحياناً. اليوم، وقد تغيّر ميزان القوة، صارت الدولة هي الخط الأحمر، المعيار الوحيد، والحَكَم النهائي. هنا لا تكون المشكلة في الإيمان بفكرة الدولة، بل في طريقة توظيفها: الدولة تتحول من مشروع يُبنى بالتشارك إلى سلاح يُشهَر في وجه المختلفين.

ومن هنا تبدأ الثنائيات التي تُدار بها الهيمنة. العبارة نفسها تتكرر: (هناك دولة الآن، لا مجال للفوضى). لا أحد يعترض عليها لأنها تبدو بديهيةً. لكن وظيفتها ليست الوصف بل الضبط: أي اعتراض سيُفسَّر كتهديد للاستقرار، أي نقد سيُعتبر تخريباً، وأي مطالبة بالمشاركة الحقيقية ستُوصف بـ(الابتزاز السياسي). وهنا تُصنع (الفوضى) كفزّاعةٍ جاهزة؛ لا كاحتمال موضوعي فقط، بل كأداة حكم: حين تُقدَّم الفوضى كقدرٍ قريب، تصبح الطاعة خياراً (عقلانياً)، ويصبح الصمت فضيلةً وطنيةً.

ثم يأتي الحديث عن السيادة بالمنطق نفسه. طبعاً من حق الدولة بسط سيادتها، لكن السؤال الذي يتم تجاوزه دائماً هو: بأي ضوابط؟ وتحت أي محاسبة؟ ووفق أي قانون؟ الدولتجي الجديد لا يتوقف عند هذه الأسئلة لأنه لا يرى السيادة وظيفةً قانونيةً منضبطة، بل حقاً مطلقاً يُمارَس باسم الدولة. هكذا تُستخدم (السيادة) كترخيص مفتوح: القوة أولاً، ثم يأتي القانون لاحقاً.. وربما لا يأتي.

وبالمنطق نفسه تُطرح الشراكة بوصفها شعاراً عاماً لا مضمون له. في الظاهر يقال إن الدولة للجميع وإن أحداً لا يُقصى، لكن حين نصل إلى الضمانات الدستورية والتمثيل السياسي والتوازنات المؤسسية وآليات المحاسبة، يتغير الخطاب فوراً: ابتزاز، أجندات مشبوهة، ضغوط خارجية، ومحاولات تعطيل. الشراكة المطلوبة هي شراكة (مؤدّبة): أن تحضر دون أن تقرر، وأن توافق دون أن تناقش، وأن تظهر في الصورة لا في القرار. وباسم (بناء الدولة) يُطلب منك عملياً أن تتخلى عن السياسة.. لأن السياسة هي الشيء الوحيد الذي يمنع احتكار الدولة.

ولكي تكتمل الصورة، يظهر فقدان الذاكرة الانتقائي. الدولتجي الجديد يتذكر كل شيء عن الآخرين، وينسى كل شيء عن نفسه. السلاح الذي كان بالأمس ضرورة ثورية وحقاً مشروعاً يجب أن يكون اليوم حصراً بيد (الدولة)، وأي سلاح خارج المركز يصبح تمرداً يهدد السيادة. العلاقة مع الخارج كانت بالأمس (دعماً من الأصدقاء)، واليوم صارت دليلاً على العمالة والارتهان. حتى اقتصاد الحرب حين كان في صفّه كان (ظروفاً قاهرةً)، وحين صار عند خصمه أصبح (فساداً مستشرياً). ليست المشكلة في النقد، بل في معيار النقد: ما كان ضرورةً لنا صار جريمةً لهم، وما كان واقعاً مفروضاً علينا صار خياراً سيئاً اتخذوه. هذا ليس ميزان دولة، بل ميزان اصطفاف.

هنا يظهر الخطر الحقيقي: الدولتجي الجديد لا يريد دولةً بالمعنى الحقيقي، بل يريد سلطةً بغطاء أخلاقي جديد. السلطة القديمة كانت تقول بصراحة فجّة: (أنا فوق الجميع). أما السلطة الجديدة فتقول بنعومة ومكر: (أنا الجميع، ومن يعترض فهو ضد الجميع). وباسم الدولة نفسها يُعاد إنتاج الاستبداد، لا باسم الزعيم الأوحد أو الحزب القائد، بل باسم المؤسسة والسيادة والاستقرار. ويُعاد احتكار التعريف: من هو الوطني؟ من يحق له أن يشارك؟ ما هي الحدود المقبولة للاختلاف؟ تُحتكر الإجابات من طرف واحد، بينما يُطلب من الآخرين القبول باسم الوحدة الوطنية، كأن الوحدة تعني غياب السياسة، وكأن الاستقرار يعني تعطيل المجتمع.

لهذا لا يكفي أن نقول إننا نريد دولةً. الجميع يريد دولةً. السؤال الوحيد الذي يستحق النقاش هو: أي دولة؟ الدولة التي نحتاجها ليست شعاراً، بل عقداً: قانون فوق الجميع، ومؤسسات تُحاسَب، وشراكة حقيقية لا منّة، واحتكار للعنف ضمن قواعد واضحة لا ضمن مزاج المركز. دولة مواطنة متساوية لا طاعة مفروضة، ودولة سياسة لا إدارة خوف. وأي دولة تبدأ بعبارة (نحن الدولة) لتنهي النقاش، ستنتهي بالنتيجة نفسها دائماً: دولة بلا مواطنين.. وسلطة بلا حدود.

الدولة ليست من يدّعيها بصوت عالٍ، بل من يبنيها بصبر وشراكة. وبناؤها الحقيقي يبدأ بالاعتراف بحقيقة بسيطة: لا أحد يحتكر تعريفها، ولا أحد يملك وحده مفاتيحها.

سوريا لك السلام!

العدد 1184 - 28/01/2026